بيانات وتقارير

التفجيرات.. قضايا معقدة على طاولة العدالة في المستقبل


لا تحصل التفجيرات بشكل عشوائي أو غير منظم، بل يبدو أن العملية تسبقها عدة تحضيرات تحصل بسرية تامة سواء في المكان الذي تُعد فيه المتفجرات أو المكان الذي يعتبر هدفاً لهذه الجهة وذلك عن طريق التنسيق مع أشخاص يكونون مستقرين بالقرب من الهدف

30 / تشرين ثاني / نوفمبر / 2019


التفجيرات.. قضايا معقدة على طاولة العدالة في المستقبل

مع العدالة – فراس العلي

استخدمت التفجيرات كإحدى أنواع الأسلحة التي خدمت مصالح أطراف الصراع في سوريا في المناطق الخارجة عن سيطرتهم، ولكنها لم تمر دون وقوع ضحايا بل تقصدت بعض الأطراف أن تنفيذ تفجيرات في مناطق مدنية الأمر الذي أدى مقتل عدد غير موثق من المدنيين.

وتتضمن التفجيرات التي شهدتها سوريا منذ ثماني سنوات المفخخات والعبوات الناسفة والألغام المزروعة على الطرقات التي أودت بحياة أعداد كبيرة من المدنيين يفوق بكثير عدد القتلى الذي خططت له الجهات المسؤولة عن التفجيرات.

 

“مفخخة يعتقد أنها لتنظيم “الدولة الإسلامية”، عند تجمع للأهالي في قرية سوسيان بحلب، شماليّ سوريا، يوم 24 شباط 2017”

 

وحصلت جميع التفجيرات في سوريا تنفيذاً لمآرب سياسية وعسكرية بغض النظر عن حماية المدنيين، بل استخدمت بعض الأطراف المدنيين كوسيلة لتبرير مآربها وافتعلت تفجيرات ومن ثم اتهمت بتنفيذها أطراف أخرى، مثل قصف جامعة حلب الذي حصل بتاريخ 15 يناير 2013 بعد سقوط صاروخين متتالين عليها ما أدى لمقتل 83 شخصاً معظمهم طلاب بينما كانت روايات النظام تدّعي أن الحادثة حصلت بفعل انفجار سيارة مفخخة.

ومن خلال الاطلاع على تفاصيل التفجيرات التي حصلت في سوريا، يمكن ملاحظة أن عدداً كبيراً منها حصل في أحياء سكنية وهذا ما أدى إلى وقوع ضحايا بين المدنيين.

 

 

ولأن التفجيرات بطبيعتها تأخذ طابع السرية والمخابراتية، يبدو أن هذا الملف سيكون من الملفات الشائكة أمام القضاء في المستقبل، خاصة عند محاولة تحديد المسؤولين عن التفجير من محضرين ومساعدين وراصدين ومنفذين للعملية.

 

من المسؤول؟

يحصل أن تشهد منطقة ما على انفجار مفخخة سواء كانت سيارة أو دراجة نارية أو يتم تداول أخبار تفيد بانفجار لغم أرضي يؤدي لوقوع ضحايا مدنيين، وعند التفكير بالمسؤولين عن الانفجار تذهب أصابع الاتهام للجهات التي لديها مصلحة بافتعال هذه الانفجارات.

وتتوسع قاعدة التحليل وتختلف الآراء مع غياب الأدلة في معظم الحالات الأمر الذي يجعل مسألة التحقق من تفاصيل الانفجار ومحاولة الوصول إلى الفاعلين عن طريق الإثباتات صعب للغاية، وقد يبدو مستحيلاً مع اندثار هذه الوسائل مع مرور الوقت.

وإن تحدثنا عن الجهات المسؤولة عن إحداث تفجيرات في سوريا لمصالح عسكرية أو سياسية، فجميع الأطراف داخل الدائرة إلا أنه وفقاً للكثير من التفجيرات التي حصلت بأنحاء سوريا فنظام الأسد وجبهة النصرة وتنظيم داعش كانت الأطراف الرئيسية بالوقوف وراء معظمها.

ولا يمكن حصر المسؤولين عن التفجيرات التي حصلت خلال ثماني سنوات في سوريا عبر تحديد الجهة المسؤولة عن التفجير فقط، بل الأمر أعقد من ذلك بكثير.

 

ويندرج ضمن إطاره تحديد هويات الأشخاص ضمن الجهة المسؤولة ممن أعطوا الأمر بتنفيذ التفجير والذين حضّروا المتفجرات داخل السيارة أو جهزوا العبوات الناسفة أو زرعوا الألغام والذين نفذوا التفجير بالإضافة للأشخاص المشرفين على التنفيذ وكل من ساعد في إحداث هذه التفجير.

 

وفي هذه الحالة، تكمن صعوبة تحديد المسؤولين بشكل مباشر عن إحداث هذه الانتهاكات، وأين حلّوا وهل من الممكن الوصول إليهم أم لا والمواد المستخدمة في التفجير وكيف أتوا بها والعديد من التساؤلات التي تجعل مهمة التحقق صعبة جداً.

وتزيد من الصعوبة بعض الظروف المرافقة للتفجيرات مثل اختفاء الأدلة وعدم الوصول للأسماء الحقيقية للمنفذين بالإضافة للسنوات الطويلة التي تفصل عن محاكمتهم فهي قد تكون كفيلة بفرارهم من العدالة.

 

تفجيرات بالجملة

خلال الأيام القليلة الماضية، حصلت عدة تفجيرات في شمال سوريا تحديداً وراح ضحيتها عشرات المدنيين، وفي الوقت الذي أشارت فيه بعض وسائل الإعلام أصابع الاتهام لجهة معينة، أكدت وسائل إعلامية أخرى أن الجهة المسؤولة عن تنفيذ هذه الهجمات لم يتم تحديدها.

وراح مدنيان وجرح آخر إثر انفجار سيارة مفخخة وسط مدينة إعزاز الحدودية مع تركيا، وسبقها انفجار سيارة مفخخة في مدينة الباب وراح ضحيته 14 شخصاً بينهم تسعة مدنيين مع إصابة 33 آخرين، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ولم تقتصر التفجيرات على المناطق السابقة الذكر، بل انفجرت سيارة مفخخة في مدينة تل أبيض وراح ضحيتها 10 مدنيين بينهم أطفال وأصيب أكثر من 20 آخرين بجروح متفاوتة.

 

“صورة لسيارة مفخخة في عفرين 26.11.2019”

 

وانفجرت سيارة مفخخة عن طريق وضع عبوات منفجرة داخلها في مدينة عفرين وتسببت بجرح أكثر من سبعة مدنيين وإحداث أضرار مادية في محيط الانفجار، كما انفجرت سيارة مفخخة في بلدة تل حلف بريف رأس العين شمال سوريا، وراح ضحية ذلك 19 شخصاً بالإضافة لعشرات الجرحى.

ومع ارتفاع عدد التفجيرات وحصولها في عدة مناطق وبوسائل وطرق مختلفة تتعقد الملفات أمام العدالة في المستقبل الأمر الذي قد يسهّل على المسؤولين عن التفجيرات الفرار أو إخفاء هوياتهم أو طمس الحقائق، وهذا ما يتخوف منه حقوقيون.

 

الخلايا النائمة

لا تحصل التفجيرات بشكل عشوائي أو غير منظم، بل يبدو أن العملية تسبقها عدة تحضيرات تحصل بسرية تامة سواء في المكان الذي تُعد فيه المتفجرات أو المكان الذي يعتبر هدفاً لهذه الجهة وذلك عن طريق التنسيق مع أشخاص يكونون مستقرين بالقرب من الهدف.

وعلى مر السنوات الثماني الماضية، عرف هؤلاء تحت اسم الخلايا النائمة، أي أولئك الأشخاص الذين يعيشون في منطقة تخضع لحكم جهة معينة ويتعاونون سراً مع جهة تعتبر عدواً للأولى لتنفيذ هجمات في المنطقة عبر إرسال الإحداثيات وتحديد الأماكن والتنسيق مع الجهة المحضرة للتفجير.

ويعمل الأشخاص المدرجون تحت وصف “الخلايا النائمة” مستخدمين ألقاباً وأسماء حركية، ويعتبر عملهم بمثابة التجسّس من أجل الحصول على المزيد من المعلومات التي تفيد الجهة التي تعطيهم المال لقاء هذه المعلومات.

 

ولعل الخلايا النائمة تعتبر من أخطر عناصر الجهة المسؤولة عن التفجير، خاصة إن كانوا من أبناء ذات المنطقة التي سيحصل فيها التفجير، فهم الذين يمهدّون الطريق لدخول المفخخة وركنها بمكان محدد، كما أنهم مطلعون على كل تفصيل في مناطقهم.

ووسط الفوضى والفلتان الأمني السائد في عموم سوريا، يبدو تنقل الخلايا النائمة سهلاً للغاية، بينما يطالب مدنيون بتشديد إجراءات التفتيش على الحواجز لتلافي حصول تفجيرات في المستقبل وخاصة بشمال سوريا التي شهدت مؤخراً العديد من التفجيرات.

وفي الوقت الذي يدرك فيه حقوقيون صعوبة معرفة هوية الخلايا النائمة المتسببة بحصول التفجيرات كونهم محتاطين مسبقاً من أي احتمالية للقبض عليهم، تتبادل وسائل الإعلام الاتهامات حول المسؤول عن التفجيرات.

ولأن الإعلام يعرف بأنه السلطة الرابعة لما يمتلكه من قوة قد تغير الحقائق في غالب الأحيان وتنقلها بعد تزييفها إلى الجمهور تنفيذاً لمصالح جهة معينة، وباعتبار أن التفجيرات كانت من الانتهاكات التي تدوي إعلامياً فإن وسائل الإعلام تبدأ باتهام جهات معينة بالوقوف وراء التفجيرات سواء بطريقة مباشرة أو عبرالتلميح لذلك.

 

“تفجير سيارة مفخخة في مدينة جرابلس شرق محافظة حلب السورية 07 آذار / مارس 2018”

 

وهذا الأمر قد يبدو من المعوقات التي ستقف عائقاً أمام أعمال توثيق الانتهاكات في سوريا مستقبلاً، خاصة مع قدرة بعض الجهات على فبركة الوقائع تنفيذاً لمصالحه، مثلما حاول نظام الأسد إخفاء أدلة مجزرة الكيماوي في الغوطة ودعم أفعاله عبر وسائل إعلامه التي نفت أن يكون قد حصل أي هجوم كيماوي وبدأت باتهام المعارضة باختلاق ذلك.

وبين كل ما يحصل، ينتظر ذوو ضحايا التفجيرات في سوريا وخاصة الأجيال القادمة اللحظة التي سيتم فيها إلقاء القبض على مجرمي الحرب في البلاد وتتم محاكمتهم، وتحقيق ولو جزء من العدالة المرجوّة.

 

المزيد للكاتب