بيانات وتقارير

المحاكمة الخاصـة بداعـش: العدالـة الانتقائيـة والمسيّسة تحدث ضرراً أكثر من المنفعة


يتفق المجتمع الدولي والعراق وسوريا بالإجماع على مجابهة داعش والاصرار على هزيمتها ومعاقبة منسوبيها. في حين تبقى الأطراف الأخرى التي اقترفت انتهاكات تحت مسمى الحرب ضد داعش متمتعة بالحماية من داعمين أقوياء ما يمنحهم فرص الافلات من العقاب على أفعالهم

03 / كانون أول / ديسمبر / 2019


المحاكمة الخاصـة بداعـش: العدالـة الانتقائيـة والمسيّسة تحدث ضرراً أكثر من المنفعة
المصدر: المركز السوري للإعلام وحرية التعبير 

الموجز السياسي

في خضم المخاوف المتزايدة من إمكانية هروب مقاتلي داعش من الأسر في شمال شرق سوريا نتيجة للتوغل التركي في المنطقة، تدفع الدول الأوروبية النافذة، في محاولة منها للتخلص من أعباء مواطنيها المنتسبين إلى داعش، من أجل انشاء محكمة دولية  مختلطة أو آلية مماثلة تقتصر على محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية المنتسبين لداعش في العراق، وربما في سوريا. من شأن هذه المحكمة أن تهمش احتياجات الضحايا، وتهدد فرص المصالحة في العراق وسوريا، وتزيد من خطر تقويض الثقة، الهشة بالأصل، في العدالة الدولية. لتحقيق العدالة لضحايا داعش ومنع عودة ظهور الجماعات المتطرفة، يجب على المجتمع الدولي إجراء المسائلة والمحاسبة في قضايا داعش وغيرهم  من الأطراف ممن ارتكبوا انتهاكات جسيمة في العراق وسوريا، والابتعاد عن تبني مقاربة مسيّسة وانتقائية من شأنها أن تشجع الإفلات من العقاب وتفاقم الصراع بدلاً من تخفيفه على المدى الطويل. يجب أن تبقى العدالة الدولية كالملاذ الأخير  في حال تم استنزاف جميع الوسائل المحلية لتحقيق العدالة، لا أن  تكون بديلاً طويل الأمد للنظام القضائي الوطني، ويجب أن تتحمل الدول الغربية مسؤولية محاسبة  مواطنيها الذين انضموا إلى تنظيم داعش في بلادهم، وتقديم الدعم للعراق لتلبية احتياجات ومطالب الضحايا، ودعم الضحايا السوريين في نضالهم من أجل العدالة والإصلاح.المحاكمة الخاصـة بداعـش: العدالـة الانتقائيـة والمسيّسة تحدث ضرراً أكثر من المنفعة.


نبذة عن داعش في العراق و سوريا:

في منتصف عام ٢٠١٤، سيطرت داعش على مساحات شاسعة غربي العراق و سوريا و أسست – خلافة –   ارتكبوا باسمها انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان بحق سكان تلك المناطق والتي تصنف كجرائم حرب و جرائم ضد الانسانية و إبادة جماعية.  لقد تمت هزيمة داعش من قبل العديد من الجماعات المسلحة، قوات وطنية عراقية و سورية تحت غطاء جوي دولي و انتهت بخسارتهم لآخر معاقلهم في العراق و سوريا منذ نهاية عام ٢٠١٧ وحتى مطلع عام ٢٠١٩.  و لكن داعش تستمر بشن حملات عشوائية خلّفت الكثير من الدمار والانشقاقات الاجتماعية وحملات نزوح جماعية، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الضحايا بشكل مباشر و غير مباشر الذين يبحثون عن إجابات وعن العدالة.

بحلول الوقت الذي تم فيه استعادة آخر أراضي داعش في سوريا، كان قد تم اعتقال عشرات الآلاف من المقاتلين السابقين وأفراد عائلاتهم واحتُجزوا في السجون والمخيمات التي تسيطر عليها القوات الديمقراطية السورية التي يسيطر عليها الأكراد في شمال شرق سوريا. وهؤلاء المقاتلون هم في غاليبيتهم عراقيون وسوريون، لكنهم يشملون أيضًا مواطنين أجانب من حوالي 70 دولة ، والكثير من هذه الدول تتردد في استعادة مواطنيهم. اكتسبت مسألة ما الذي يجب القيام به مع هؤلاء المقاتلين إلحاحًا جديدًا منذ الهجوم التركي على مناطق جديدة في سوريا تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في أكتوبر 2019 ، حيث صعدت قوات سوريا الديمقراطية تحذيراتها حول عدم إمكانيتها بإبقاء احتجاز هؤلاء السجناء إلى أجل غير مسمى وبموارد محدودة وفي ظل الهجوم، وتم الإبلاغ عن عدة حالات هروب من مرافق قوات سوريا الديمقراطية.


العدالة المنقوصة:

العديد من المبادرات قدمت لمحاسبة منسوبي داعش على جرائمهم، لكن جميعها تواجه المشاكل أو تعاني من القصور . على الرغم من أن الأطراف الأخرى المشاركة في تحرير الأراضي من داعش متهمة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء النزاع ، إلا أنه لم تُبذل حتى الآن أية محاولات فعالة أو واسعة لمحاسبتهم.

على المستوى المحلي، حكم العراق بإعدام الآلاف من منسوبي داعش  أو الحكم عليهم لسنوات طويلة في السجن، بعد محاكمات لا تفي بالمعايير المطلوبة للعدالة. هذه القضايا تم تقديمها تحت قانون محاكمة الإرهاب، مما يعني أنه تمت محاكمة المدعى عليهم بناءاً عى انتسابهم لداعش و ليس على أفعالهم و في الغالب لا تتاح لهم سوى فرصة ضئيلة للمشاركة في الاجراءات أو معرفة مجريات المحاكمة. ولا تترك المحاكمات السريعة في العراق سوى فرصة ضئيلة للحصول على معلومات ذات أهمية حيوية لأفراد أسر الضحايا ، مثل مكان الرفات. في سوريا، أجرت قوات سوريا الديمقراطية محاكمة لمواطنين سوريين متهمين بالقتال مع داعش، هذه المحاكمات جديرة بالثناء لعدم فرضها عقوبة الإعدام، لكنها تفتقر إلى المكانة القانونية بسبب افتقار الإقليم إلى السيادة ومحدودية الموارد والخبرات اللازمة لإجراء محاكمات عادلة، وتحديات محاولة إقامة العدل في منطقة النزاع.

و على الصعيد الدولي، في شهر أيلول من عام ٢٠١٧، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرار رقم ٢٣٧٩ و الذي يطالب بتشكيل فريق للتحقيق (تحت مسمى يونيتاد) ليجمع الدلائل و الاثباتات و مساعدة المحاكم العراقية و جهات أخرى في مقاضاة مجرمي داعش. هذا الفريق لا يحمل صلاحية للتحقيق بالجرائم المرتكبة من قبل أطراف أخرى، فقط تنحصر صلاحيته بالتحقيق في جرائم داعش بما فيها اضطهاد اليزيديات و مجزرة قاعدة سبايكر والجرائم التي صاحبت احتلال مدينة الموصل.


مقترحات لمحكمة داعش فقط:

اجتمعت الدول الأوروبية مرتين في عام 2019 لدراسة مبادرة اقترحتها دولة السويد وبدعم من هولندا لإنشاء محكمة دولية أو مختلطة لمحاسبة داعش. تسارعت الحركة حول الاقتراح بعد بدء الهجوم التركي في أكتوبر 2019، حيث تم عقد اجتماعات متسارعة في كوبنهاغن وبغداد، وقام وزير الخارجية الفرنسي بزيارة إلى العراق للضغط على آلية لمحاكمة المقاتلين الأجانب على الأراضي العراقية.

بينما تضغط الدول الأوروبية على العراق للموافقة على استقبال المشتبه بهم من داعش الأجانب من سوريا، يوجد قليل من الوضوح حول الشكل الذي ستتخذه الإجراءات القضائية ضدهم. تم نقاش إقامة محكمة دولية في وقت مبكر من عام 2019، ولكن يبدو هذا الآن أمراً غير مرجح. المحكمة المختلطة. كما ما زال موضوع إقامة محكمة دولية مختلطة، مقرها في العراق ومدعومة بخبرات وتمويل دولي، خياراً أخر لا يزال قيد النقاش، على الرغم من التعليقات السلبية التي أدلى بها وزير الخارجية العراقي حول إقامة مثل هذه المحكمة في العراق.

تشير جميع الإشارات إلى أن اختصاص المحكمة المحتملة سوف تقتصر على مقاضاة مقاتلي داعش فقط. ولكن تبقى الأسئلة الأساسية الأخرى بدون إجابة، مثل ما إذا كان سيتم تطبيق القانون العراقي أو الدولي، وسواء ستغطي الجرائم المرتكبة في العراق فقط أو سوريا أيضًا، وما هي جنسيات المشتبه بهم التي ستشملهم ولايتها القضائية، وما هي الدول التي ستتعاون مع هذه المحكمة، بالإضافة إلى مسألة عقوبة الإعدام. بالنسبة لمعظم الدول التي تضغط من أجل إنشاء مثل هذه المحكمة، من غير القانوني بموجب التزاماتها الدولية نقل أو تسهيل نقل المحتجزين إلى دول قد يتعرضون فيها للتعذيب أو عقوبة الإعدام.

من الممكن أن يتم تكليف المحكمة المقترحة بمفردها بمحاكمة أعضاء داعش الأجانب، بينما يواجه آخرون النظام القضائي العراقي. سيكون مثل هذا الاقتراح أكثر ظلمًا بشكل أساسي من الأشكال المحتملة الأخرى لمحكمة داعش فقط، حيث يتمتع بعض الجناة بحقوق أكثر من غيرهم. في مثل هذا السيناريو، قد يواجه المتهمون الأجانب محاكمات أكثر عدالة دون إمكانية عقوبة الإعدام، في حين سيترك العراقيون المنقولون من سوريا لمواجهة عقوبة الإعدام مع عدم توافر ضمانات في النظام القضائي العراقي. وبالنسبة للضحايا أيضًا، فإن أولئك الذين عانوا على أيدي مقاتلي داعش الأجانب فستتاح لهم الفرصة للتواجد في المحاكمات، في حين أن أولئك الذين عانوا على أيدي مقاتلين دواعش عراقيين أو سوريين لن يتمكنوا من التواجد، بالإضافة إلى أن ضحايا الجناة المنتسبون إلى جماعات أخرى غير داعش سيتم تهميشهم تماماً.


مبادرة غير عادلة وذات دوافع سياسية:

يتفق المجتمع الدولي والعراق وسوريا بالإجماع على مجابهة داعش والاصرار على هزيمتها ومعاقبة منسوبيها. في حين تبقى الأطراف الأخرى التي اقترفت انتهاكات تحت مسمى الحرب ضد داعش متمتعة بالحماية من داعمين أقوياء ما يمنحهم فرص الافلات من العقاب على أفعالهم و يحميهم من الانتقاد. هذه العوامل السياسية تخلق نتائج عكسية و غير عادلة حيث يتمتع بعض الجناة بالحصانة، و البعض الآخر تتم معاقبتهم، و بالتالي فإن معاناة قسم من الضحايا تم الاعتراف بها ومعاقبة مرتكبيها، بينما يتم تجاهل معاناة القسم الآخر بشكل كلي.

تتردد الحكومات الأوروبية في إعادة مواطنيها الذين انتسبوا إلى داعش لمواجهة القضاء، وذلك  بسبب المخاوف المترتبة على عودتهم و إمكانية أن يقوموا بارتكاب أعمال وحشية في أوروبا أو بدعوة آخرين للتطرف، بالإضافة إلى الصعوبات في جمع الأدلة الكافية لمحاكمتهم على جرائم ارتكبت في الخارج، و كذلك الرأي العام المعارض بشدة لعودة منسوبي داعش. وعلى الرغم من أنه في ظل الهجوم التركي، ارتأت بعض الدول ضرورة إعادة القُصَّر غير المصحوبين بذويهم، إلا أن ذلك يبدو أنه قد زاد من حدة عزمهم على إيجاد حل سريع يتيح لهم تجنب جلب المواطنين البالغين إلى بلدانهم.


 العدالة الانتقائية غير فاعلة:

إن قرار مجلس أمن الأمم المتحدة رقم ٢٣٧٩ و الذي نتج عنه تأسيس (يونيتاد) بالإضافة إلى المبادرات الحالية المطالبة بمحاكمة داعش، تنطوي على الكثير من الحيثيات المرحب بها، ومنها التأكيد الدولي الواضح على الالتزام بتحقيق العدالة والرغبة في الاستثمار  من أجل تحقيق ذلك. لكن في المقابل تم وضع معايير خطيرة و غير مسبوقة لتحقيق عدالة انتقائية وتم التصديق عليها من قبل أعلى هيئة للسياسات الدولية. في ذات الوقت توجد كارثة دولية في الثقة في هذه القوانين التي وضعها المجتمع الدولي الحر و من المهم جداً أن ترتقي الدول النافذة للمعايير التي تدعم هذا القرار لكي لا تزيد من تقويض هذه الثقة.

ومن الجدير بالذكر أن محاكمة داعش وحدها تمثل توجهاً من قبل الحكومات الأوروبية بإسناد مسؤولياتها الخاصة بالأشخاص الخطيرين و المسؤولين عن اعتداءات جسيمة، إلى منطقة ما زالت تتعافى بعد عقود من الصراعات و لديها الكثير من الصعوبات والمشاكل التي مازالت تواجهها. هذه النوع من المحاكمات سوف تغذي مفهوم  العدالة-الأحادية الذي يستهدف ”أعداء الدول الغربية“ فقط، ويغذي جذور الرواية الدولية عن الرهاب من الإسلام، حيث تتم معاقبة مرتكبي الجرائم الذين يعتنقون الإيديولوجيات الإسلامية  بقسوة أكثر من غيرهم.  هذا الانطباع عن النفاق الغربي سوف يشعل فتيل العداء ضد الغرب ويدعم الفكر الأصولي الذي نتج عنه حركات مثل داعش و سوف يقوّض من جهود محاربة الارهاب و التشدد.


تقوض من مساعي  المصالحة والتعافي في العراق و سوريا:

إن الطريقة الانتقائية في محاسبة المجرمين سوف تفضي إلى نتائج سلبية في كل من هذه المجالات: حقوق الضحايا، المصالحة الوطنية ، إعادة بناء منشآت الدولة و تعزيز دور القانون في العراق. و سوف تمنح الجماعات الأخرى التي ارتكبت انتهاكات لحقوق الانسان فرصة الافلات من العقاب، في حين يبقى ضحاياهم دون وسيلة ناجعه لتحقيق العدالة، بل إنها توحي للأطراف الأخرى أن أعمالهم الوحشية ستترك دون عقاب. هذا الأمر سيهدد مسار المصالحة الوطنية الهش في أصله، و يضاعف أحزان الضحايا الذي عانوا على يد جماعات أخرى غير داعش، مما يزيد من فرص اندلاع فتيل الصراع و زيادة التطرف مستقبلاً. إن محاولة التسرع من خلال مقترحات لإقامة محاكمات لمنسوبي داعش فقط في سبيل النفعية السياسية وفي سياق المخاوف من هروب مقاتلي داعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية ، يضيق المجال أكثر لإشراك الضحايا والمجتمع ومشاورتهم، وذلك بدوره يجعل من غير المحتمل أن تحدث هذه المحاكمات أي تأثير اجتماعي إيجابي يضمن معالجة احتياجات الضحايا ومطالبهم بشكل فعال.

في العراق، وجود محاكمة مختصه فقط بمحاسبة منسوبي داعش، و هي جماعة تعتنق التطرف والتطبيق العدائي المتشدد لتعاليم الدين الإسلامي السنّي، من المحتمل أن تشعل غضب المواطنين السنة وتزيد من اعتقادهم بأنهم يواجهون حكومة مركزية بأكثرية شيعية تقوم بتهميشهم عمداً.  كذلك الأمر في سوريا، فإن محاكمة منسوبي داعش دوناً عن غيرهم سوف تبدد آمال ضحايا الجماعات المسلحة الأخرى بتحقيق العدالة، وقد يزيد ذلك من تفاقم الصراع.

قد ترسل إقامة محكمة الدولية أو مشتركة رسالة مفادها أن المحاكم العراقية غير مؤهلة للتعامل مع جرائم ارتكبت على أرضها، و تزيد من ضعف الثقة في النظام القضائي الذي يعاني بالفعل من قصور بالتمويل و انعدام القاعدة الشعبية. يجب أن تبقى العدالة الدولية كالملاذ الأخير  في حال تم استنزاف جميع الوسائل المحلية لتحقيق العدالة، لا أن  تكون بديلاً طويل الأمد للنظام القضائي الوطني. هذه الأموال التي سيتم صرفها على المحكمة الدولية من الأجدر استثمارها في تقوية و إعادة تشكيل النظام القضائي العراقي،  عبر دعم القضاء العراقي ليصبح  خط الدفاع الأول و الدائم في مواجهة جرائم الحرب في العراق، وبذلك ضمان بقاء مسؤولية صنع القرار في أيدي عراقية.

إذا قرر المجتمع الدولي مع ذلك المضي قدمًا في تفعيل آلية قضائية دولية، فإن إقامة محكمة مختلطة في العراق تحظى بدعم واسع من المجتمع الدولي، ولديها صلاحيات قضائية لمحاكمة جميع المتهمين، وإشراك الضحايا والمجتمعات المتأثرة الأخرى بشكل فعال، وخلق تواصل مجدي مع الجماهير العراقية، ذلك من شأنه أن يلعب دورًا إيجابيًا في تعزيز سيادة القانون والمصالحة والعدالة في العراق. للأسف، يبدو أن شروط النجاح هذه غير موجودة، وذلك لأن الهدف الحقيقي للمبادرة هو مساعدة الدول القوية على إلقاء عبء مواطنيها المنتسبين إلى تنظيم داعش على دول أخرى.

في تموز عام ٢٠١٧، صرّح المسؤول عن – يونيتاد –  السيد كريم خان عن دعمه لفكرة إقامة محكمة من أجل النظر في قضايا مجرمي داعش، مشابهة لتلك المحاكمات التي حصلت في نورمبورج-ألمانيا. إن محاكمات نورمبورج، على الرغم من كونها وضعت حجر الأساس لتطوير القضاء الدولي، تبقى أُسسها القانونية موضع الكثير من التساؤلات، و قد تم النظر إليها على أنها مفروضة من قبل قوى خارجية منتصرة،  كما أن هذه المحاكمات فشلت في النظر في الجرائم التي ارتكبتها قوى التحالف داخل ألمانيا. بناءاً على ذلك، تمثل مثل هذه المحاكمات نموذجاً سيئاً في تحقيق العدالة في العراق اليوم، مع احتمال إعادة أخطاء التاريخ العراقي المعاصر، حيث تم انتهاج عملية غير مجدية مليئة بالعيوب للتخلص من البعثية، على غرار النموذج الألماني عقب الحرب العالمية الثانية للتخلص من النازيين، وذلك عوضاً عن التطوير المتأني لبرامج مناسبة للسياق و التدقيق الشديد بتطبيقها.


 متطلبات الضحايا  يتم تهميشها:

هذه المبادرات التي تدعو لمحاكمة داعش تم طرحها من أجل تخفيف الضغط السياسي المحلي عن الحكومات الأوروبية و ليس استجابة لمتطلبات الضحايا والناجين. هذه المبادرة تمثل حلاً منقوصاً طرح من دون مناقشته مع نسبة كبيرة من الضحايا و دون إشراك منظمات المجتمع المدني ذات الدور المفصلي في قضايا كهذه. الكثير من العائلات ما زالت تبحث عن خبر يتعلق بأحبتهم الذين اختطفوا من قبل مليشيات داعش، و لا يزالون يبحثون عن إجابات و عن العدالة و عن فرصة ليستمروا في العيش بكرامة. لكن القوى العظمى و سعيها في إقامة محكمة دولية يقبع فوق كل الصرخات المطالبة بالعدالة و يهدد بتهميش رغبات و احتياجات الضحايا على أرض الواقع في العراق و سوريا.

ستكون محكمة داعش قادرة على تحقيق العدالة في أحسن الأحوال لنسبة ضئيلة للغاية من مرتكبي الجرائم. على الرغم من أن المحكمة ستجلب الانتباه والاعتراف بمعاناة بعض الضحايا، فإنها لن تفعل الكثير لمعالجة احتياجات ومطالب مجتمعات الضحايا الأوسع، مثل العودة الآمنة والطوعية للمشردين، وتعويض عادل على المستوى الفردي والجماعي، وفتح المقابر الجماعية، وغيرها من التدابير للكشف عن مصير المفقودين والمختفين.


سوريا و العراق غير متشابهتان:

على الرغم من قيام داعش بمجازر وحشية في الأراضي التي استولت عليها والتي امتدت في كل من العراق و سوريا، إلا أنه يتوجب على أي إجراء قضائي دولي الأخذ بعين الاعتبار العديد من الظروف السائده في كلا الدولتين. ففي العراق، كانت داعش المرتكب الأساسي للمجازر و كان الصراع لاستعادة تلك الأراضي من داعش هو الأساسي والأهم في الدولة كلها. لكن في سوريا، المعركة ضد داعش هي جبهة واحدة من بين جبهات أخرى في صراع متعدد الأوجه، ارتكبت فيه جميع الأطراف أبشع الجرائم و التجاوزات و بالأخص نظام الأسد.

العراق هي دولة ذات سيادة تحكمها قيادة منتخبه في صناديق الاقتراع الحرة و التي يجب دعمها لتقوية شرعيتها و شعبيتها و ضمان التزامها بأحكام القانون. وفي العراق من الضروري أن تضطلع الدولة بدور أساسي في إقامة العدل، وأن تكون شريكا رئيسيا في أي تدابير للعدالة الدولية تتناول الجرائم المرتكبة في أراضيها أو من قبل مواطنيها.

أما في سوريا فالوضع مغاير تماماً، فالحكومة تمثل نظاماً دكتاتورياً وحشياً، ارتكب أفظع الجرائم بحق شعبه خلال فترة النزاع، و إن أي مشاركة من الحكومة السورية في المحكمة الدولية سيكون بمثابة دعم لشرعية هذا النظام المجرم و دعماً لروايته عن محاربة الارهاب، وسيعد إهانة للملايين من ضحايا السياسات القمعية لهذا النظام. إن فكرة التعاون مع نظام الأسد في المحكمة الدولية ستبعث رسالة مقلقه للعالم أجمع، توحي بأن ارتكاب الجرائم مسموح به طالما ترتكب تحت مظلة محاربة الإرهاب. وفي الواقع فإن الحكومة الهولندية أحد أكبر مناصري المحاكمة الدولية صرحت باستبعاد مشاركتها فيها. كما أنه من غير المنطقي أيضاً أن تنظر المحاكم السورية، المحلية الفاقدة للشرعية، في جرائم الحرب التي حصلت في سوريا. و في نطاق الحديث عن جرائم نظام الأسد المهولة، فإن التركيز الدولي على جرائم داعش فقط سوف يعزز الانطباع بأن انتهاكات النظام السوري أقل إجراماً، و تشجع على تطبيع العلاقات مع النظام السوري الذي يظهر الآن للعديد من الحكومات بمنظر المنتصر تاركين، وراءهم الضحايا ليدفعوا الثمن.

دعت قوات سوريا الديمقراطية (قسـد) إلى تعاون متعدد الأطراف بهدف إقامة محاكمة دولية لمحاسبة داعش على أراضيها المستقلة الواقعة في المنطقة المعزوله شمال سوريا. لكن هذا الطرح ينطوي على العديد من المشاكل وذلك بسبب الانتهاكات المرتكبة من قبل قسد نفسها والتي لن يتم النظر فيها في المحاكمة الدولية، هذا إلى جانب الصعوبات المتعلقة بالتعامل مع ممثل من غير الدول  لإنشاء محكمة بموجب القانون الدولي، بالإضافة إلى صعوبات عملية في ظل تجدد القتال في المنطقة. مع ذلك فإن التنسيق مع القيادة السياسية لقسد مطلوب وذلك للبحث في قضايا إعادة المواطنين، المقابر الجماعية، والكشف عن مصير المفقودين.

و بغض النظر عن الطبيعة المقلقة جوهرياً لإنشاء محاكمة دولية لمنسوبي داعش فقط، يمكن أن تلقى مثل هذه المبادرة ترحيباً عراقياً. لكن في سوريا فإن طرحاً كهذا سيلقى معارضة شديدة من القسم الأكبر من المجتمع السوري و خاصة من قبل معارضي الأسد لأن هذا الطرح سيكون عقبة في طريق أي مصالحة أو تسوية بعد انتهاء النزاع في سوريا.  الجدير بالذكر أن الطروحات الأولية لمثل هذه المبادرة تم رفضها  من قبل كافة منظمات المجتمع السوري المدني.


البدائل المحلية متوفرة:

العدالة الدولية هي مسار يتم اللجوء إليه عادة في حالات خاصة حيث ترفض أو تعجز الحكومات عن تحقيق العدالة محلياً. وفي العادة، فإن المحاكم الدولية مكلفة، و تساعد بشكل ضئيل في تحسين نطاق النظام القضائي المحلي، و تنظر في قضايا عدد قليل من الجناة، و تترك المتطلبات الرئيسية للضحايا غير ملبّاة مثل: التعويضات، التماس الحقائق، والإصلاحات لمعالجة التظلمات.

في العراق و رغم معاناة النظام القضائي من مشاكل هيكلية خطيرة، فإنه ليس من الواضح إذا ما كانت الحكومة غير راغبه أو غير قادرة على تحقيق العدالة على الأقل فيما يخص داعش، وبغض النظر عن العديد من المشاكل فإن إجراءات المحاكمات المتعلقة بمتهمي داعش شهدت تطوراً ملحوظاً في بعض المحاكم الرئيسية العراقية خلال عامي ٢٠١٨-٢٠١٩ ولا زال هنالك الكثير مما يتوجب عمله.

أما بالنسبة للحكومات الأوروبية، فإن النظر في قضايا مواطنيهم من منسوبي داعش في بلدانهم هي قضية انعدام الرغبة السياسية و ليس لعدم إمكانية التنفيذ. تفضيل مسار العدالة الدولية رغم إمكانية البت في هذه القضايا محلياً هي محاولة واضحة للتخلص من المواطنين الخطيرين و تبدي عدم رغبتهم و ليس عجزهم عن تحقيق العدالة بأنفسهم. هنالك العديد من الأمثلة التي تبرهن أنه من الممكن جداً محاكمة منسوبي داعش الأوروبيين داخل أوروبا:


  • تموز ٢٠١٩، القضاء الهولندي ينجح بإدانة مقاتل سابق لداعش، هولندي المولد، بارتكاب جرائم حرب.
  • نيسان ٢٠١٩، البدء بمحاكمة سيدة ألمانية في ميونخ متهمة بارتكاب جريمة حرب تتمثل بحرمان امرأة يزيدية محتجزة من الماء حتى الموت أثناء انتسابها لداعش في العراق. التحقيقات ما زالت مستمرة من قبل فريق جرائم الحرب الألماني خصوصاً داخل المجتمع اليزيدي المقيم في ألمانيا، و نتج عنها اتهام سيدة أخرى بانتسابها لداعش في ألمانيا في تموز ٢٠١٩.
  • تموز ٢٠١٩، إعادة السلطات الإيطالية لمواطن إيطالي متهم بالقتال في صفوف داعش في سوريا ومن المتوقع أن تتم محاكمته.

وبالمثل، تتوفر تدابير وموارد للتعامل مع المخاطر المحتملة للعائدين، حتى في الحالات التي تكون فيها المحاكمات القضائية غير ممكنة أو مناسبة. لقد نجحت كوسوفو، على سبيل المثال، في إعادة مواطنيها المنتمين إلى داعش وقامت بتفعيل برامج لإعادة التأهيل وإعادة الإندماج للتخفيف من مخاطر تطرفهم على الآخرين أو ارتكاب أعمال إرهابية. قامت العديد من الدول الأوروبية، بما فيها هولندا والمملكة المتحدة، بإقرار قوانين تسمح بمراقبة من يشتبه في أنهم يشكلون “خطرًا إرهابيًا”، حتى في غياب أدلة كافية لإدانتهم بارتكاب جريمة، مما  الجدل بشأن القيود المفروضة على الحريات المدنية. وقد طورت دول أخرى مثل الدانمارك أفضل الممارسات في مكافحة التطرف.


التوصيــــــات:

من أجل دعم المساواة والتركيز على الضحايا وتحقيق العدالة في العراق، يتوجب على المجتمع الدولي الآتي:

  • إعادة جميع المواطنين الغربيين المنتسبين لداعش و عائلاتهم من العراق لتتم محاكمتهم على جرائمهم -أما في حالة القاصرين والضحايا الأخرين – يتوجب رعايتهم في بلدانهم.
  • دعم النظام القضائي العراقي من أجل إجراء محاكمات عادلة مع استبعاد حكم الإعدام، بالإضافة لجمع الأدلة و حفظها ليتم استخدامها في محاكم أخرى عن طريق المشاركة الفاعلة للضحايا.
  • دعم الحكومة العراقية و المجتمع المدني من أجل تلبية كافة متطلبات الضحايا إلى جانب تحقيق العدالة و التي تشمل:
    • العودة الطوعية و الآمنة للنازحين و حل النزاعات على الأراضي و الممتلكات.
    • إنشاء برامج للعودة الشاملة و العادلة على الصعيدين الفردي و الجماعي.
    • وضع آليات من أجل التماس الحقائق والكشف عن مصير المغيّبين والمفقودين وتخصيص فرق محترفة لفتح مواقع القبور الجماعية.

أما في سوريا يتعذر حالياً إمكانية النظر في الجرائم الدولية محلياً، كما تم سد الطرق كافة الطرق لإقامة محاكمة دولية. أخذاً بعين الاعتبار هذه العقبات، يتوجب على المجتمع الدولي ما يلي:


  • إعادة جميع منسوبي داعش من المواطنين الغربيين و عائلاتهم المحتجزين في شمالي سوريا لتتم محاكمتهم على جرائمهم في بلدانهم – أما في حالة القاصرين عن العمر القانوني و الضحايا- يتوجب التكفل بهم بلدانهم.
  • تعزيز أو سن تشريعات دولية تسمح بإجراء تحقيقات خارج الحدود الإقليمية و مقاضاة الجرائم الدولية المرتكبة من قبل جميع الأطراف على أرض سوريا، في المحاكم الأوروبية و دول أخرى.
  • دعم الآلية الدولية المحايدة والمستقلة من أجل سوريا، وكذلك منظمات المجتمع المدني السوري التي تعمل على توثيق انتهاكات حقوق الانسان و جمع الأدلة و المقاضاة الجنائية.
  • معالجة قضية المفقودين في سوريا، بما في ذلك المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش، عن طريق البحث في إمكانية تطوير آلية دولية للمفقودين و لدعم عائلاتهم.

إن الوسائل المحلية لمحاسبة داعش على جرائمها في العراق و أوروبا موجودة و يجب أن تُبحث بشكل أعمق وأن تخضع لمراجعات عند الضرورة، قبل اللجوء إلى اجراء محاكمات دولية أو مختلطة. ومع ذلك، في حال تمت المضي قدماً بهذا المقترح، فيتوجب ما يلي:


  • النظر في جميع الجرائم الدولية المرتكبة من قبل كافة أطراف النزاع و ليس فقط داعش و أن لا تكون محصورة على متهمين من حملة جنسيات معينة.
  • إشراك الضحايا من الذكور والإناث ومن جميع الخلفيات الاجتماعية بشكل فعال، والتعاون مع منظمات المجتمع المدني و الحكومة العراقية من أجل صنع القرار وتطبيقه.
  • العمل وفق معايير واسعة النطاق من أجل دعم جميع الضحايا في تحقيق العدالة، إظهار الحقيقة، التعويض عن الظلم و إعطاء الضمانات بعدم حدوث تلك الانتهاكات مرة أخرى.
  • الامتناع عن التعاون مع نظام الأسد بشكل قطعي.

لمزيد من المعلومات عن هذا الموجز السياسي، الرجاء التواصل مع:

 

المادة من المصدر