آراء

العدالة الدولية في ظل الارتهان للقرار السياسي في القضية السورية


إن ارتهان القرار الأممي لمصالح الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، يكاد يشكل مساراً تاريخياً من الفشل على صعيد القضايا العربية، ابتداءً من القضية الفلسطينية وليس انتهاءً بالكارثة السورية

03 / كانون أول / ديسمبر / 2019


العدالة الدولية في ظل الارتهان للقرار السياسي في القضية السورية

 

 

*مع العدالة – صوفيا خوجاباشي

 

لم تعد القرارات الدولية بما يخص القضية السورية، محل اهتمام في الأوساط الاجتماعية السورية وحتى السياسية في بعض درجاتها، إلا فيما يشير بشكل جلي إلى عجز السلطة الدولية عن ممارسة دورها بشكل إيجابي، بما يضمن محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا، وعدم إفلاتهم من العقاب العادل. وهو ما ظل غائباً على مدار تسعة أعوام من عمر الكارثة الإنسانية في سوريا، وما تمخض عنها من قرارات بقيت مجرد أرقام، لم تخرج إلى دائرة التطبيق العملي في أدنى مستوياته، وذلك في ارتهان صارخ للفاعلين السياسيين في الملف السوري، وما تقتضيه المصلحة السياسية لهؤلاء. وهو ما صار بمثابة الظل، لأي مشروع قرار دولي، يمكن أن يقدم خطوة إضافية على طريق وقف شلال الدماء في سوريا، أو محاسبة المسؤولين الرئيسيين عن ذلك، مما زاد في التمادي بممارسة أشنع الانتهاكات بحق المدنيين السوريين.

ولطالما طرحت في مسودات الأبحاث المتخصصة في العلاقات الدولية، أسئلة تحاول استقراء الواقع الدولي المترهل من بوابة الأمم المتحدة، ومفاصلها المتعددة، التي أصبحت إلى حد ما، عبئاً ثقيلاً على العدالة الدولية وحقوق الإنسان، لخضوعها شبه المطلق، إلى سلطة الأعضاء الرئيسيين فيها، مما أفقدها فاعليتها كمنظمة تحقق التوازن العادل؛ ودعا إلى ضرورة جدية لإعادة التفكير بجدوى هذه المنظومة المتهالكة، والآليات التي تحكمها.

في أيار/مايو 2014، استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار تبنته فرنسا في مجلس الأمن يدعو لإحالة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا الى المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبتهم في جرائم ضد الإنسانية ارتكبت منذ آذار/مارس 2011. الأمر الذي تكرر مع الاعتراض الروسي في نيسان/أبريل 2017 على مشروع قرار فرنسي بريطاني أميركي يمهد لمحاسبة النظام السوري والتحقيق في هجوم خان شيخون الكيماوي، على غرار مشاريع قرارات عديدة سعت لمحاسبة نظام الأسد بموجب الفصل السابع من الأمم المتحدة، إلا أنها تعطلت بسبب (الفيتو) السياسي المتكرر والمضمون من قبل موسكو وبيجين، مما جعل من أي اجتماع لمجلس الأمن، مضيعة وقت، وكأن القرارات كانت تصدر لتنقض، لمجرد ذر الرماد في العيون.

 

 

وبالعودة إلى مواد نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، فإن كل من المواد 13، 15،14، تجيز للمحكمة ممارسة اختصاصها بمحاسبة الدول التي لا تعترف بمحكمة الجنايات الدولية، في حال الجرائم المذكورة في المادة 5 من النظام الأساسي، إلا أنه ورغم توافر العديد من الشواهد والوثائق الدامغة على تورط نظام الأسد بجرائم ضد الإنسانية، لم يتحرك المدعي العام للمحكمة أو أي من الدول القادرة على تجريم النظام السوري بشكل جدي في هذا الاتجاه.

وكانت قد وثقت منظمة العفو الدولية في آب/أغسطس2016، وفاة أكثر من 17 ألف معتقل داخل سجون النظام خلال خمس سنوات في أثناء احتجازهم بين آذار 2011 وكانون الأول 2015، كما تحدث التقرير عن “روايات مرعبة” حول التعذيب الممنهج الذي أودى بحياة آلاف المعتقلين.

 

كما نشرت صحيفة صنداي البريطانية في أيلول/سبتمبر 2018 ، تقريراً تحت عنوان “أرشيف الشر يُدين الرئيس السوري بشار الأسد”، تحدثت الصحيفة من خلاله عن أرشيف قالت أنه يحتوي على مليون وثيقة تدين رئيس النظام السوري بشار الأسد، وأوضحت معدة التقرير كريستيان لامب أن هذه الوثائق جمعها فريق يشرف عليه بيل ويلي، العسكري الكندي السابق والمحقق الحالي في جرائم الحرب، فيما تم تسريبها بعد شعوره بالإحباط من العمل مع محكمة الجنايات الدولية، بسبب بطئها وكلفة عملها، مشيرةً إلى أن الأرشيف محفوظ في 265 صندوقاً مودعة في مكان سري مراقب بكاميرات في إحدى المدن الأوروبية.

 

ومن ضمن الشهادات على ارتكاب نظام الأسد لجرائم الحرب أكد السفير الأمريكي السابق لقضايا جرائم الحرب، ستيفن راب، في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، أن لجنة العدالة والمساءلة الدولية، حصلت على أكثر من 750 ألف وثيقة يمكن استخدامها لإدانة النظام السوري، وعلى رأسه بشار الأسد، مشيرا بقوله خلال مقابلة مع شبكة “ABC NEWS” الأمريكية إلى أن “الأدلة على ارتكاب نظام الأسد جرائم حرب في سورية، هي الأقوى منذ محاكمات نورمبرغ بجرائم الحرب العالمية الثانية”.

 

إن ارتهان القرار الأممي لمصالح الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، يكاد يشكل مساراً تاريخياً من الفشل على صعيد القضايا العربية، ابتداءً من القضية الفلسطينية وليس انتهاءً بالكارثة السورية، مروراً بمثيلاتها في اليمن وليبيا والعراق، هذا الإرث الثقيل من السقوط الأخلاقي للمنظومة العالمية، والذي ينطوي على هزيمة العدالة الإجرائية، أمام المصالح والقرارات السياسية، دليل على زيف السياسة العالمية فيما يخص حقوق الإنسان في العالم، التي تحكمها ديناميكية صراعية بين القوى العالمية، دون أدنى مراعاة لقيم العدل وصون حقوق الإنسان.