آراء

ما الذي ينتظر جميل الحسن؟


يُذكر على الصعيد نفسه أن أكثر من ضابط مخابرات سابق تعرض للاغتيال بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، وعُزيت حوادث الاغتيال إلى تصفيتهم ضمن التنافس الروسي الإيراني

10 / تموز / يوليو / 2019


ما الذي ينتظر جميل الحسن؟

 

 

المصدر: المدن ــ عمر قدور 

 

أقيل اللواء جميل الحسن، قائد المخابرات الجوية الأسدية، وكان ممكناً تكريمه على وحشيته المفرطة بتركه ينهي آخر تمديد له في منصبه، وهو تمديد سنوي حصل عليه عدة مرات بعد تجاوزه السن القانوني للخدمة. كان ممكناً أيضاً، بالتلازم مع قرار الإقالة، تسميته مستشاراً أمنياً صورياً لرئيسه على سبيل الترضية والتكريم المعنوي، لو وجدت النية لمكافأته على إخلاصه الشديد.

جميل الحسن، المولود في ريف حمص عام 1952، وصل إلى أعلى منصب يسمح به منبته. السرديات الطائفية السائدة لا تنتبه عادة إلى علاقات القوة الداخلية، وتضع الجميع في سلة واحدة، رغم أهمية علاقات القربى والتمايزات المناطقية ضمن هرم السلطة العسكرية والمخابراتية، فطوال حكم الأسد لم يصل أحد من علويي حمص إلى رئاسة جهاز أمني سوى لمرتين، أهمهما بروز جميل الحسن بعد عام 2011 لتحفزه الشديد لإبادة الثائرين على السلطة. التمايز المناطقي “أو سياسة التمييز” ليست بالجديدة كلياً، فغداة انقلاب البعث برز الخلاف بين اللواء محمد عمران “الحمصي” من جهة وصلاح جديد وحافظ الأسد “المنحدرين من الساحل” من جهة أخرى، وأقصي عمران بإرساله سفيراً إلى إسبانيا، ليعود وزيراً للدفاع لفترة قصيرة ضمن صراعات القوى البعثية، وبعدها يُقصى عن وزارة الدفاع لصالح حافظ الأسد، والأخير لن يهنأ باله قبل القيام باغتيال عمران عام 1972 في مدينة طرابلس اللبنانية. جدير بالذكر أن القاتل الذي أرسله حافظ الأسد لاغتيال محمد عمران قبع زمناً طويلاً جداً في سجن المزة، والتهمة كانت إقدامه على اغتيال عمران.

في كل الأحوال، بعيداً عن تلك التراتبيات، يُنظر إلى الرؤساء الكبار لأجهزة المخابرات على أنهم نالوا مكافآتهم مسبقاً عندما كانوا في مناصبهم. نالوها سلطةً وبطشاً، ونالوها نقداً عبر التسلط والفساد. مهمتهم في حماية السلطة، بكل ما يكتنف عملهم من وحشية، تُعد مهمة تقنية لا تؤهّل صاحبها لطموحات سياسية مباشرة. إذا شئنا فصل المستوى السياسي عن المستوى المخابراتي، نقطة التقاطع الوحيدة هي عند العائلة الحاكمة التي تقود وتتحكم بالاثنين معاً فضلاً عن تسلطها المطلق على كافة مناحي الحياة. 

باختصار لا يوجد كبير لا يمكن الاستغناء عنه ضمن مافيا الأسد، باستثناء الدائرة العائلية الضيقة، وحتى هذه لا تخلو أحياناً من التصفيات كما شهدنا بإبعاد رفعت الأسد من قبل شقيقه حافظ، ثم بقتل الصهر آصف شوكت في العملية المعروفة باغتيال خلية الأزمة. اغتيال غازي كنعان ما يزال ماثلاً في الأذهان، وبصرف النظر عن الأقاويل التي رافقته فإن تحجيم غازي كنعان وتنزيل مرتبته بدأ فعلاً بعزله من منصبه كقائد للمخابرات السورية في لبنان، ولم يكن تعيينه وزيراً للداخلية “بدل توليته رئاسة جهاز مخابرات آخر” سوى خطوة في اتجاه إقصائه. خليفة غازي كنعان في لبنان “رستم غزالي” سيُقتل أيضاً بعد اندلاع الثورة ضمن ملابسات غامضة، وغزالي عُيّن رئيساً صغيراً لفرع مخابرات بعد رحيل قوات بشار عن لبنان لا حباً فيه وإنما نكاية باللبنانيين كونه أحد المتهمين في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وستكون الثورة أيضاً مناسبة للتخلص من جامع جامع، وهو متهم آخر في القضية ذاتها، وقد نُسب مقتله إلى قذيفة أطلقها فصيل معارض في رواية مشكوك في صحتها.

لدينا نموذج آخر معروف محلياً هو مصطفى التاجر. التاجر كان ضابطاً في الجيش وأوجدته الظروف ضمن مجموعة ائتمنته وهي تخطط للانقلاب على حافظ الأسد، فذهب طالباً مقابلة الأخير، منتهزاً الفرصة ومصراً على ألا يقول ما في حوزته إلا له شخصياً. بعد المقابلة تم إعدام رفاق التاجر، وأهّلته وشايته بهم ليُنقل للعمل كضابط في المخابرات العسكرية، ويذيع صيته كرئيس لفرع الأمن العسكري في حلب أيام المواجهة مع الإخوان المسلمين، حيث قام بالتنكيل بالمعتقلين على الشبهات فقط من أصحاب الميول الإسلامية ومن المحسوبين على اليسار آنذاك. بعد الانتهاء من الإخوان واليساريين، استمر تسلط التاجر وعائلته، ووصل الأمر إلى السطو على سيارة مميزة مركونة في مكان ما في حلب، تبين لاحقاً أنها لأحد أبناء حافظ الأسد، فاستدعاه الأخير حسبما يروى وعاقبه بنقله لرئاسة “فرع فلسطين” المشهور بوحشيته أيضاً! لاحقاً سيُقتل مصطفى التاجر في خلاف بينه وبين شقيق غازي كنعان يتعلق بتجارة التهريب من لبنان، قبل مقتل غازي كنعان، ولن يحظى حتى بنعي شكلي باعتباره يحمل رتبة لواء في الجيش.

يُذكر على الصعيد نفسه أن أكثر من ضابط مخابرات سابق تعرض للاغتيال بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، وعُزيت حوادث الاغتيال إلى تصفيتهم ضمن التنافس الروسي الإيراني. كذلك هي حالات عزل بعض ضباط المخابرات من مناصبهم، حيث تسود التكهنات حول اقتسام تلك الأجهزة بين الاحتلالين الروسي والإيراني، مع عدم استبعاد وجود مساحة خاصة للّعب تتحرك ضمنها عائلة الأسد. في كل الأحوال، طبيعة هذه الأجهزة أشبه بالمافيات التي لا تظهر إلى الخارج سوى شرورها، وقلة من الرؤوس الكبيرة فيها على اطلاع كافٍ بتفاصيل ما يحدث فيها. وشأن جميع المافيات فإن الدخول إليها، والترقي في تراتبيتها، فيه ما فيه من إغراء المال والسلطة، إلا أن الخروج ليس بالبساطة ذاتها، وعندما يتعلق الأمر بالاقتتال والتطاحن الداخليين فالتقاعد غالباً ما يأتي بتصفية الذين انتهت أدوارهم.

من خارج تلك الحلقة الضيقة، تصعب معرفة الموقع الذي كان يحتله جميل الحسن، وتالياً الأسباب التي أدت إلى إقالته. ثمة كلام رائج عن علاقة وثيقة تربطه بموسكو، ومن إحدى دلالاتها أنه العراب الأول لصعود سهيل الحسن الذي بات مدللاً عند موسكو، وهناك روايات مناقضة لها تحسبه على طهران. إلا أن ما هو ثابت حقاً أنه منذ بداية الثورة كان الأشد إخلاصاً لاستخدام أسلوب الإبادة تجاه المجتمع السوري الثائر، بل عبّر عن عتبه في إحدى المقابلات الصحافية لأن أسلوب الإبادة الجماعية، على غرار مجزرة حماة عام 1982، لم يُستخدم على الفور. ويُنسب إليه منذ بداية الثورة قوله لبشار الأسد أنه مستعد لقتل مليون سوري، ثم المثول راضياً أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي.

من هو في موقع جميل الحسن يدرك أن سجن محكمة لاهاي بمثابة منتجع فخم لا يحلم به أي سوري معتقل لديه، وأن أقصى حكم لن يصل إلى الإعدام، والنتيجة أنه لو حدث ذلك وأنصف المجتمع الدولي السوريين لكان يؤمّل نفسه بالتقاعد في لاهاي. أما وأن ذلك لم يحدث، ولن يحدث، فإن مصير جميل الحسن وأمثاله متوقف على اعتبارات الربح والخسارة العائدة للعراب الأكبر أو رغبته في إغلاق ملف ما. العدالة الوحيدة المتاحة أن السوريين بعمومهم لا يتأسفون على مصائر هؤلاء مهما كانت قاسية، ربما باستثناء أسف بعض الضحايا الذين كانوا يودّون رؤية مصائرهم المستحقة بعد المثول أمام العدالة. 


المادة من المصدر