#########

العدالة والمساءلة

واحد من أكبر ألغاز الحرب السورية.. رزان زيتونة للواجهة


عدد الشهود المحتملين عن الحادثة انخفض في السنوات الثماني إلى ثلث العدد.

20 / تموز / يوليو / 2021


واحد من أكبر ألغاز الحرب السورية.. رزان زيتونة للواجهة

*المصدر: العربية نت


فظائع الحرب السورية المستمرة منذ 10 سنوات لا تنتهي، بيد أن أبرز الملفات العالقة فيها إلى جانب الضحايا، هو ملف المعتقلين والمفقودين.

ولعل اختفاء الناشطة الحقوقية رزان زيتونة وزملائها مازال يعتبر أحد أكبر ألغاز الحرب حتى اليوم، فرغم التحقيقات الطويلة التي أجريت على مدار السنين الماضية من جهات مختلفة، لم يأتِ خبر يشفي العليل.

فالمحامية الحقوقية السورية التي اشتهرت بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، اختفت في شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 2013، بعدما فرّت من العاصمة دمشق إلى دوما بالريف، المدينة التي كانت قابعة حينها تحت قبضة ما كان يعرف بـ”جيش الإسلام”.

وهناك قام مهاجمون مجهولون باختطافها وزوجها واثنين من زملائها، فيما انخفض عدد الشهود المحتملين عن الحادثة في السنوات الثماني إلى ثلث العدد.

ووفق بعض المعلومات فإن منهم مهددا ولذلك التزم الصمت، وآخرين قتلوا، ليبقى سر الاختفاء هذا دون حل لأكثر من 8 سنوات.

تحقيق جديد

أما الجديد اليوم، فهو أن فريقاً من “دولتشيه فيليه” الألماني، قد جمع بعض الأدلة عبر 6 دول، بمساعدة عشرات الشهود الذين لديهم معرفة وثيقة بالقضية، وتعقب الفريق المجموعة التي من المرجح أن تكون مسؤولة عن اختفاء الناشطة المعروفة.


المختطفان المعارضان لنظام الأسد رزان زيتونة وزوجها وائل حمادة

وبسبب المخاوف الأمنية والخوف من الانتقام، قرر الفريق أن يبقي هوية المصادر مجهولة في معظم الحالات.

كما أشارت المعلومات وفق التحقيق إلى أن زيتونة طلبت بعد أسابيع من وصولها إلى دوما أي في ربيع 2013، زيارة مختلف السجون التي تديرها جماعة جيش الإسلام التي كانت مسيطرة تلك الفترة، وذلك للتحقيق في اتهامات تعرض المعتقلين للتعذيب.

طلب قد يكون وراء الاختفاء

إلا أن هذا الطلب لم يرق للبعض على ما يبدو، فقد أدت جهودها إلى زعزعة استقرار الكثيرين في المدينة، حتى إن هناك من أعرب عن مخاوفه بشأن ولائها لـ “الثورة السورية”.

ومن المهم التوضيح أن دوما في تلك الفترة لم تكن ساحة للقتال بين النظام والمعارضة فقط، بل كانت بلدة متنازع عليها بشدة بين داعش آنذاك، وجبهة النصرة، وقوات أخرى مسلحة، ولهذا فإن أصابع الاتهام غير محددة الأهداف.


عنصر من جيش الإسلام

ورغم أن فصيل “جيش الإسلام” كان من ساعد زيتونة وزوجها على الهرب إلى دوما من مناطق النظام، إلا أنهم اعترضوا فيما بعد على نشاطها في المدينة.

نصيحة من “محمد علوش”

وأوضح محمد علوش، القيادي السابق للفصيل وممثله لاحقاً في المفاوضات السورية، لـ DW، أنه نصح رزان بنفسه بأن الكتابة عن النظام في دوما مسألة كبيرة، مشيراً إلى أنه طلب منها قبل “كتابة تقارير عن الانتهاكات التي ترتكبها جماعات المسلحة، وأن تتحدث إليهم وتعطيهم النصح وتعلمهم حقوق الإنسان”، وفق تعبيره.


محمد علوش

فيما أشارت المعلومات إلى أن رزان حرمت من الوصول إلى السجون، بما في ذلك تلك التي يديرها جيش الإسلام، وعندما رفضت التراجع، أخذ أعضاء الفصيل خطوة بحقها، وأطلقوا حملة على وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه سمعتها.

وكان هدف الحملة تشويه سمعتها من الناحية الأخلاقية، واتهامها بأنها “جاسوسة” تعمل لصالح النظام في سوريا، وذلك وفقاً للعديد من الثوار والناشطين الذين كانوا في دوما في ذلك الوقت.

“حان وقت التهديد”

وبحلول سبتمبر / أيلول 2013، أصبحت الجهود المبذولة لوقف عملها في مجال حقوق الإنسان في دوما أكثر عدوانية، ففي ذلك الشهر، تلقت رسالة تهديد وأطلق الرصاص على باب منزلها، كما حصل الفريق المعني بالتحقيق على تسجيل صوتي لعناصر من جيش الإسلام يخططون لتهديد زيتونة.

ويقول الرجل: “هذه الفتاة عميلة، توثق معلومات عن المقاتلين، وتكتب تقارير إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، ويمكن أن تقدمنا ​​للمحكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب”.


أدوات تعذيب في سجون جيش الإسلام

فأجاب الآخر: ” إذا كانت كذلك لماذا لا تفعل شيئا؟، لماذا لا تخطفها؟، هل تخاف منها؟”.

فرد الأول: “نحن لسنا خائفين، وسنقوم بإسقاطها، لكن في الوقت الحالي نريد تهديدها “.

إلى أن تبين لاحقاً أن الرجل في التسجيل هو حسين الشاذلي، وهو رجل أمن محلي اعترف لاحقا بتلقيه أوامر مباشرة من قيادي آخر في جيش الإسلام وهو سمير كعكة بتهديد زيتونة إن لم تغادر دوما خلال أيام.

ووفق المصادر، فإن مجموعات أخرى استهدفت زيتونة أيضا بسبب عملها، لكن “جيش الإسلام” كان الأكثر تهديداً.

اليوم الأخير

في حوالي الساعة العاشرة من مساء يوم 9 كانون الأول 2013، دخل الخاطفون مكاتب مركز توثيق الانتهاكات، حيث تعيش زيتونة مع زوجها وائل حمادة، ومعهما صديقان آخران، الناشطة السياسية سميرة خليل والمحامي ناظم حمادي.

كان حمادي على مكالمة عبر سكايب مع شقيقه عندما اقتحم المتسللون المكان، فقطع المكالمة من أجل التعامل معهم، إلا أن جملة واحدة سمعت قبل أن ينقطع الخط: “أعداء الله”.


رزان زيتونة

فيما لا يُعرف سوى القليل عما حدث في تلك الليلة، إلا أن الجيران أفادوا بأنهم سمعوا صراخ رجال مجهولين، وادعى أحدهم أنه رأى أحد قادة الفصائل يقود سيارته مع النشطاء، فيما قالت تقارير إعلامية أن المهاجمين كانوا مسلحين.

إلا أن التحقيق أكد أن أجهزة الكمبيوتر والهواتف الخاصة بالنشطاء كانت من بين الأشياء التي استولى عليها الخاطفون، إلى جانب حفنة من الملفات، فيما قيل للفريق إن أكثر من 25000 يورو بالعملة السورية تركت على الطاولة دون مساس.

أدلة رقمية وبصمات

بعد شهرين من الاختطاف، دخل أحد أعضاء جيش الإسلام إلى حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي مستخدماً جهاز كمبيوتر حصل عليه أثناء اختطاف زيتونة وخليل، وأعلن عن الأمر من خلال برنامج ممول من وزارة الخارجية الأميركية.


من فريق التحقيق

وقال مصدر آنذاك إنه نبه السفير الأميركي روبرت فورد، بأن أجهزة الكمبيوتر قد تم أخذها خلال عملية الاختطاف، مضيفاً أن السلطات الأميركية تمكنت من تحديد الموقع الجغرافي للكمبيوتر والتعرف على المستخدم الذي وصل إليه.

ثم تم تتبع الكمبيوتر ليوصل الفريق إلى مجمع جيش الإسلام الأمني ​​في دوما، والذي يضم سجناً سيئ السمعة يُعرف باسم “التوبة”.

إلا أن المسؤولين الأميركيين أكدوا أنهم لا يعملون شيئا عن الناشطة بعد اختطافها، فيما واجه آخرون على علم بالحادثة مؤسس الفصيل، المتوفى الآن زهران علوش، بمعلومات حول الكمبيوتر، إلا أنه نفى تورط مجموعته في الاختطاف.

ماذا حدث بعد 24 ساعة

ومع ذلك ، بعد 24 ساعة من تلك المواجهة، تم حذف حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لعضو جيش الإسلام الذي وصل من الكمبيوتر إلى منصات متعددة، وأفاد التحقيق بأن هذا الشخص لم يسمع عنه مرة أخرى.

فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية أن جيش الإسلام حوّل مباني منشأة زراعية تابعة للنظام إلى مجمع أمني وسجن.


من مدينة دوما (أرشيفية من فرانس برس)

كل الطرق تؤدي إلى السجن

في غضون أشهر من اختطافها، شاهدت محتجزة زيتونة في “سجن التوبة”، وتعرّفت المرأة على رزان بعدما عرضت عليها سلسلة من الصور، بحسب ناشطين.

وأوضحت المرأة في شهادتها أمام جماعة مسلحة أخرى، أنها سمعت عن اسم رزان زيتونة في “سجن التوبة”، وأن جيش الإسلام أتى بها للاستجواب، وحين رفضت قام أحد العناصر بضربها فأغمي عليها، فطلبوا منهم إعادتها إلى زنزانتها، وعندما استيقظت، رأت السجينة أن عينيها خضراوتان، وفق التحقيق.

كما أفاد العديد من الشهود الآخرين بأن زيتونة وجدت في سجن التوبة بين عامي 2014 و 2017، فيما أكد سجناء آخرون بـ”سجن التوبة” سيئ السمعة، وقوع فظائع كثيرة ارتكبت فيه،بما في ذلك الاغتصاب والتعذيب والإعدام بإجراءات موجزة، وأكدوا أن “جيش الإسلام” كما كان يطلق عليه، كانت جماعة تعتقل وتعذب مقاتلين ومدنيين على حد سواء.


زهران علوش

إلا أن قيادة الجماعة نفت قيادة باستمرار تورطها في اختفاء الزيتونة، واتهموا الشهود بالزور، كما أنكر المتحدث باسم الفصيل حمزة بيرقدار تماماً أي علاقة له أو لجماعته بقضية الناشطة.

فيما لفتت مصادر أمنية إلى أنه من غير المرجح أن يكون المؤسس القتيل للتنظيم والقائد العسكري زهران علوش على علم بالاختطاف رزان، ففي ذلك الوقت كان يخوض معركة استراتيجية ضد النظام لفتح ممر إمداد إلى دوما، فيما يعتقد أنه اكتشف ذلك بعد أيام فقط.

وأشارت إلى إمكانية أن يكون نائبه أبو قصي الديراني المشرف على الفرع الأمني ​​للتنظيم في دوما، ومعه سمير كعكة قد تآمرا معا وأمرا بالاختطاف دون علم علوش.

محاولات لإطلاق سراحها

وبعد إبلاغه، ورد أن زهران علوش أصبح مرتبكاً بشأن ما يجب فعله مع النشطاء الأربعة المختطفين، وفقاً لمصادر من الناشطين.

وأفادت المعلومات بأنه وقبل أسابيع فقط من قتله بغارة جوية روسية في ديسمبر 2015، وعد علوش أصدقاء وعائلات الضحايا بتسوية مسألة مصيرهم.

بدوره أوضح مازن درويش، محامي حقوق الإنسان وصديق قديم لزيتونة، بأنه عرض عليهم تسجيل شريط فيديو، يتبنى فيه حادث الاختطاف

وتبرير ذلك بمشاكل مالية وسياسية أو أي ضمان آخر يطلبونه إلا أنه رفضوا، ورد المفاوض: “حتى لو أعطيتنا الشريط، هل يمكنك أن تضمن أن رزان لن تتحدث؟”، مشيراً إلى أن اغتيال علوش المفاجئ هو ما أفسد الصفقة.


الإعلامي مازن درويش

في أعقاب ذلك، رفض ابن عمه وخليفته السياسي محمد علوش الالتزام بالاتفاق، وأضافت المعلومات أن الزعيم السياسي السابق لجيش الإسلام، محمد علوش قد رفض صفقة حول النشطاء الأربعة.

العدالة

يشار إلى أنه وبعد عقد من الحرب في سوريا، بدأت عدة دول تحقيقات جنائية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة، أهمها في ألمانيا، لتشمل جميع الأطراف بينهم “جيش الإسلام”.

ففي العام الماضي، اعتقلت السلطات الفرنسية مجدي مصطفى نعمة، المعروف باسمه الحركي، إسلام علوش، على خلفية اختفاء الزيتونة، حيث كان المذكور من بين كبار الرتب في الفصيل، وشغل منصب المتحدث باسم الجماعة لأكثر من 5 سنوات.


مقبرة جماعية في دوما

واليوم، يواصل جيش الإسلام العمل في سوريا، حيث اندمج مع قوة تعرف بـ “الجيش الوطني السوري”، وهو جماعة من الجماعات التي تدعمها تركيا في الشمال السوري.

والعام الماضي، عاد طيف رزان زيتونة بعد إعلان النظام السوري عن اكتشاف مقبرة جماعية في دوما بريف دمشق، تضم 70 رفاتا بينها امرأة، وحينها رجحت عدة وسائل إعلام سورية معارضة أن تكون جثة رزان من ضمنها، إلا أن المركز السوري للإعلام وحرية التعبير سرعان ما نفى صحة خبر.