المحاسبة

جهود محاسبة النظام السوري والآليات المتاحة (1-2)


في غضون الفترة الممتدة ما بين 2012 و2018؛ تم رفع العديد من القضايا ضد مختلف الجهات في سوريا، وعلى رأسها النظام وأجهزة استخباراته وبعض فصائل الجيش الحر وتنظيمي "داعش" والنصرة"، بناء على مفهوم "الولاية القضائية العالمية"

06 / كانون أول / ديسمبر / 2018


جهود محاسبة النظام السوري والآليات المتاحة (1-2)

 

 

المصدر: د. بشير زين العابدين – مع العدالة

 

جهود توثيق الانتهاكات التي ارتكبها النظام ومحاسبة رموزه

أ. الجهود الوطنية

 

شهدت السنوات السبع الماضية حراكاً واسعاً في المجالات الحقوقية والإنسانية والمحاسبة والعدالة الانتقالية في سوريا، حيث نشطت العديد من المنظمات السورية،[i] التي انخرطت في مشاريع مشتركة على الصعد الوطنية، لعل أبرزها؛ “مجموعة تنسيق العدالة الانتقالية” التي ضمّت نحو عشرين منظمة سورية غير حكومية في مجال العدالة الانتقالية والسلم الأهلي وحقوق الانسان، ومثلت هذه المجموعة أول تحالف مجتمع مدني للمنظمات التي تعمل في مجال المساءلة والعدالة الانتقالية، وعملت على تنسيق جهودها في كافة مجالات العدالة الانتقالية بهدف الوصول إلى رؤيا لمشروع وطني شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، مستفيدة من تجارب العدالة انتقالية في عدد من البلدان من بينها تجارب تونس واليمن وليبيا والعراق ولبنان، كما تَلَقَى ممثلوها تدريباً شاملاً من خبراء دوليين في العدالة الانتقالية.

كما شهدت العديد من العواصم العالمية عقد دورات تدريبية وورش عمل لتأهيل الناشطين السوريين في شتى مجالات المحاسبة والعدالة الانتقالية، حيث تبنت منظمة “اليوم التالي” مشروعاً (2012) قام عليه نحو خمسين مثقَّف وناشط وحقوقي وسياسي سوري لوضع تصور عن المرحلة الانتقالية التي ستأتي في سوريا من أجل الانتقال إلى الديمقراطية.[ii]

 

كما عقدت منظمة “دولتي” مؤتمراً موسعاً (أبريل 2013) حضره عدد كبير من ناشطي المجتمع المدني والسياسيين السوريين إضافة إلى خبراء أجانب مختصين في الشأن السوري، وخرج اللقاء بوثيقة فريدة عن العدالة الانتقالية وإمكانية تطبيقها في سوريا. وسلّط مشروع دولتي الضوء على الفروقات بين الآليات القضائية وغير القضائية، وعلى لجان التحقيق وتقصّي الحقائق ومهمة كلّ منها.

 

وعمل “المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” بدوره على وضع مشروع متكامل، يشمل رؤية لتطوير عمل المعارضة السورية في مواجهة نظام الأسد، وإدارة المرحلة الانتقالية التي تبدأ مع سقوط النظام، وصولاً إلى وضع أطر واضحة لبناء دولة سورية حديثة، مؤكداً على مركزية فكرة العدالة الانتقالية، حيث عقد مؤتمراً (يناير 2013) أسفر عن تأسيس “اللجنة التحضيرية للعدالة الانتقالية في سوريا”، وإطلاق بيت الخبرة السوري لرؤيته الشاملة والمقترحة للمرحلة الانتقالية في سوريا ضمن تقرير “خطة التحول الديمقراطي في سوريا”، وتم تشكيل هيئة استشارية دولية من الخبراء الدوليين المشاركين في المؤتمر لتعمل وتشاور الأعضاء السوريين في اللجنة.

كما عقد “المركز الدولي للعدالة الانتقالية” في نيويورك عدة ورش عمل (نوفمبر 2013) تناولت الحالة السورية، وأكدت على ضرورة تعزيز مفهوم المساءلة وفق مرجعية وطنية تتميز بالمصداقية، وتعمل على البحث عن الحقيقة، والعدالة الجنائية، والتعويضات، والإصلاح المؤسسي.

وفي أبريل 2017؛ أعلنت اللجنة القانونية في الائتلاف الوطني السوري، أن المحكمة الجنائية الدولية قبلت الدعوى الجنائية التي تقدم بها الائتلاف ضد نظام الأسد؛ على خلفية ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. حيث كانت اللجنة القانونية في الائتلاف قد تقدّمت بدعوى جنائية إلى مكتب التسجيل، ومكتب المدعية في المحكمة الجنائية الدولية، ضد بشار الأسد وأخيه ماهر، وعدد من الضباط العسكريين، ومسؤولين في أجهزة الأمن يصل عددهم إلى نحو 126 شخصية.

 

وأكدت اللجنة القانونية في الائتلاف أن مكتب المدّعية العامّة الدولية، فاتو بنسودة، قبلت الدعوى “شكلاً”، وتم تسجيلها في المحكمة الجنائية، لكن اللجنة لا تزال تنتظر قبول الدعوى موضوعاً ليبدأ استدعاء المتهمين والتحقيق معهم.

ويمثل قبول الدعوى أهمية رمزية تتمثل في قبول المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية دعوى ضد بشار الأسد، بعد أن كانت تشترط وجود قرار من مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي حال دونه الفيتو الروسي المتكرر.

وفي أكتوبر 2018؛ دشنت منظمة مع “العدالة” حملة بعنوان: “لا شرعية للجناة” تضمنت نشر صور وأسماء وأرقام هواتف أكثر من 70 شخصية من رموز النظام المتورطين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ونشر معلومات عن هذه الشخصيات والانتهاكات التي ارتكبتها، عبر “لائحة سوداء”، تصور مجرمي النظام كشخصيات ضمن مجموعة مظلمة من ورق اللعب، بهدف إلقاء الضوء عليهم، ونشر ملفات خاصة بكل مجرم تضم معلومات تعريفية عنه ومعلومات عن الجرائم التي ارتكبها، أو التي أشرف على تنفيذها، ولوائح العقوبات الدولية التي شملته.

وتأتي جهود منظمة “مع العدالة” للانتقال من عمومية الحديث عن “انتهاكات النظام” إلى تسليط الضوء على أبرز من ارتكب تلك الانتهاكات من قادة النظام، خصوصاً أن أية عملية محاسبة مقبلة تتطلب تحديد الجنايات وتوثيقها من جهة، وتحديد الجناة وتوثيق الجرائم التي ارتكبوها من جهة ثانية، بهدف إنشاء ملف لكل واحد منهم والعمل على ملاحقته دولياً وجلبه للعدالة وضمان عدم إفلاته من العقاب، بالإضافة إلى التأكيد على عدم شرعية أية جهود تهدف إلى إعادة تأهيل النظام أو منحه الشرعية التي فقدها نتيجة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها بحق الإنسانية، والتنبيه إلى ضرورة ألا تتغلب المداولات الدولية والحسابات السياسية على الاعتبارات القانونية والإنسانية في التعامل مع النظام الاستبدادي والقمعي. فضلاً عن إعادة الاعتبار لمطالب الشعب السوري التي نادى بها منذ العام 2011، والتي تتلخص في وقف الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها النظام، وتحقيق الحرية والكرامة.

 

ب. الجهود الدولية

أما على الصعيد الدولي فقد تم إنشاء “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية” (22 أغسطس 2011) بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان (S-17/1) الذي اعتُمد في دورته الاستثنائية السابعة عشرة وعُهد إليها بولاية التحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان منذ مارس 2011 في سوريا. وكُلفت اللجنة كذلك بالوقوف على الحقائق والظروف التي قد ترقى إلى هذه الانتهاكات والتحقيق في الجرائم التي ارتُكبت وتحديد المسؤولين عنها بغية ضمان مساءلة مرتكبي هذه الانتهاكات، بما فيها الانتهاكات التي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية. وقد مدد مجلس حقوق الإنسان مرارا ولاية اللجنة منذ ذلك الحين، وكان آخرها حتى 31 آذار / مارس 2018.

وأصدرت اللجنة، منذ بداية عملها، أكثر من عشرين تقريراً والعديد من التحديثات الدورية، عرضت فيها انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في جميع أنحاء سوريا، مستندة إلى مقابلات أجرتها مع أكثر من 6000 شاهد وضحية، ومن خلال الصور الفوتوغرافية، وتسجيلات الفيديو، وسجلات الطب الشرعي والسجلات الطبية، والتقارير الواردة من حكومات ومن مصادر غير حكومية، والدراسات التحليلية الأكاديمية، وتقارير الأمم المتحدة.

وفي أغسطس 2015 أصدر مجلس الأمن قراراً (2235) بتشكيل “آلية التحقيق المشتركة للأمم المتحدة” (JIM) ، وطالب المجلس المكون من 15 عضوا من الأمين العام للأمم المتحدة، بالتنسيق مع المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بإنشاء هذه الآلية بهدف تحديد “الأفراد والهيئات والجماعات، أو الحكومات المشاركة في استخدام المواد الكيميائية كأسلحة، بما في ذلك الكلور أو أية مادة كيميائية سامة أخرى، في سوريا”.

وفي ديسمبر 2016؛ صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأسيس: “الآلية الدولية المحايدة والمستقلة”، بموجب قرار غير مسبوق جاء رداً على انسداد أفق العمل في مجلس الأمن الدولي بشأن الانتهاكات التي ترتكب في سوريا، حيث استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ست مرات منذ 2011 لعرقلة عمل المجلس في هذا الإطار، ثم استخدمت الفيتو في 6 مناسبات إضافية لعرقلة قرارات متعلقة بالأسلحة الكيميائية في سوريا. وتم تكليف الفريق الجديد بجمع الأدلة المحتملة وحفظها وتحليلها لاستخدامها في المحاكم ذات الولاية على الجرائم الخطيرة المرتكبة، وإعداد ملفات عن أفراد معينين لتسهيل الإجراءات الجنائية، لكن تمويلها قام على أساس طوعي، مما دفع الجمعية العامة لمطالبة الأمين العام للأمم المتحدة (ديسمبر 2017) بإدراج التمويل اللازم ضمن الميزانية المقترحة التالية. وفي عام 2018؛ تعهد الاتحاد الأوروبي ونحو 38 دولة بتقديم دعم مقداره 11 مليون دولار من إجمالي ميزانية عام 2018 التقديرية البالغة 14 مليون دولار، وفي شهر أبريل من العام نفسه أبرمت 28 منظمة من المجتمع المدني السوري بروتوكول تعاون مع الفريق لمساعدته في عمله، بما في ذلك تبادل البيانات، وحماية الضحايا والشهود، والوصول والتواصل.

وفي شهر سبتمبر 2018، أكدت رئيسة “الآلية الدولية المحايدة للتحقيق بالجرائم” في سوريا كاترين ماركي أويل، أن خبراء “الآلية” ومحققيها جمعوا نحو مليون وثيقة تتعلق بانتهاكات وجرائم ارتكبت في سوريا، مشيرة إلى أن مهمتها جمع الأدلة حول انتهاكات جميع الأطراف لتقديمها إلى محكمة وطنية أو دولية عندما تتوافر الظروف. واشتكت من أن الاستخدام المتكرر لحق الفيتو من قبل روسيا والصين منع جميع فرص المحاسبة وأغلق جميع المسارات القضائية سواء كانت عبر المحكمة الجنائية الدولية أو إنشاء محكمة خاصة.

وعلى الرغم من أن اللجنة لا تملك أية صلاحيات للمقاضاة إلا أن لديها أدلة كثيرة وقوائم أسماء معتبرة يُعتقد أنها تضم شخصيات تتبوأ أعلى المناصب العسكرية والحكومية في النظام السوري، كما بذلت مجموعات حقوقية دولية عدة جهوداً جادة لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، وخروقات القانون الإنساني، مثل: “منظمة العفو الدولية” و”هيومن ﺭﺍﻳﺘﺲ ﻭﻭﺗﺶ”، وغيرها من المنظمات الدولية في أعمال التوثيق.

وفي 22 يناير 2018؛ أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عن إطلاق مبادرة تتضمن 30 دولة، وتعمل على منع مستخدمي السلاح الكيميائي من الافلات من العقاب، وذلك بعد استخدام روسيا حق الفيتو مرتين لمنع مواصلة تحقيقات دولية لكشف مستخدمي هذا النوع من السلاح في سوريا.

وتتضمن عملية المبادرة إعداد لوائح بالأشخاص المشتبه بهم” في هذا المجال، وتوعية المجتمع الدولي والرأي العام بالمعلومات التي يتم جمعها حول المسؤولين المتورطين باستخدام الأسلحة الكيميائية، وإنشاء موقع خاص على الإنترنت، وفرض عقوبات، من نوع حرمان من تأشيرات وتجميد أصول مالية، بحق بعض الاشخاص المتورطين بهذه الانتهاكات.

كما بذلت محاولات عديدة على صعيد رفع ملف الانتهاكات التي وقعت في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية، حيث أعدت فرنسا منذ عام 2012؛ عدة مسودات قرار لعرضها على مجلس الأمن، تقضي بإحالة الوضع في سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ودعا مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، في ديسمبر 2012، مجلس الأمن إلى إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأوصى المفوض السامي للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان، بأن يُحيل مجلس الأمن الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وفي 14 يناير 2013، قدمت سويسرا إلى مجلس الأمن رسالة باسم 58 دولة تطالب فيها المجلس بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية. وفي مارس 2013، عبرت 64 دولة في بيان دولي أصدرته أثناء حوار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مع لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا عن مساندتها لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ودفع الاستخدام المتكرر لحق النقض (الفيتو) من قبل روسيا والصين لمنع النظام من المحاسبة بمجموعة من المحققين والمدعين العامين والقضاة الدوليين السابقين (أغسطس 2013) إلى إنشاء محكمة خاصة للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة بسوريا، وتم إصدار وثيقة أطلق عليها اسم “مسودة شوتاكوا”، والتي وضعت الأسس والآليات لتحقيق التشكيل والتفويض اللازمين لإنشاء المحكمة، واقترحت ضم قضاة ومحامين وناشطين سوريين إلى الجهود الدولية لتشكيل محكمة هجينة لوضع أسس العدالة الانتقالية في سوريا، كما عملت على جمع مادة وفيرة حول الانتهاكات الخطيرة المرتكبة في سوريا، وعملت المجموعة في كل من الولايات المتحدة وتركيا للتوصل إلى وثيقة من 30 صفحة تتناول سبل محاسبة النظام وإثبات فقدانه للشرعية.

وعلى الرغم من هذه المبادرة المهمة؛ إلا أن الدعوة لإنشاء محكمة هجينة  لم ينجم عنها آلية ملموسة لحد الأن مما يعني أن الطريق الواقعي الوحيد للبحث عن العدالة في سوريا هو أن يتم الادعاء على هذه الجرائم في بلدان أخرى من خلال الولاية القضائية العالمية، خاصة وأن لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا خلصت في تقريرها الذي صدر في فبراير 2013، إلى أن المحكمة الجنائية الدولية هي الآلية القضائية الأكثر ملاءمة للتصدي لظاهرة الإفلات من العقاب في سوريا، وشرحت اللجنة الأسباب التي جعلتها لا تنصح بإنشاء محكمة دولية مختصة، والأسباب التي ستعيق إتمام محاسبة كافية على الجرائم التي ارتكبت في سوريا، ولم تبذل أية جهود جادة لتحقيق ذلك بالفعل.

 

القضايا التي تم رفعها ضد رموز النظام

في غضون الفترة الممتدة ما بين 2012 و2018؛ تم رفع العديد من القضايا ضد مختلف الجهات في سوريا، وعلى رأسها النظام وأجهزة استخباراته وبعض فصائل الجيش الحر وتنظيمي “داعش” والنصرة”، بناء على مفهوم “الولاية القضائية العالمية”، والتي تعني وجود ولاية قانونية للنظام القضائي الداخلي للدول في التحقيق بأنواع من الجرائم الخطيرة التي تنتهك القانون الدولي، مثل جرائم الحرب والتعذيب، ومحاكمة المشتبهين بها، حتى لو كانت قد وقعت خارج أراضي الدولة، من قبل أو ضدّ أحد مواطنيها. كما يسمح القانون الدولي العرفي للدول بمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضدّ الإنسانية، بصرف النظر عن المكان الذي وقعت فيه. وتعتمد إمكانية النظر في القضايا التي لها ولاية قضائية عالمية لدولة معينة على المنظومة الجنائية والقوانين الداخلية للدولة المعنية، والأدلة المتاحة التي يُمكن أن تقبل بها المحاكم في ذلك البلد لفتح ملاحقة قضائية.

 

وبناء على مفهوم “الولاية القضائية العالمية” تم رفع قضايا تتعلق بالانتهاكات التي وقعت في سوريا في الدول التالية:

  • فرنسا: تم رفع 6 قضايا بناء على نظام الولاية القضائية العالمية خلال الفترة يونيو 2012-نوفمبر 2016، كما طالبت وزارة الخارجية المدعي العام الفرنسي في سبتمبر 2015 بالتحقيق في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بناء على الصور التي تم نشرها ضمن القضية التي أطلق عليها “قيصر”، وفي يونيو 2012 تم رفع قضية ضد شركة فرنسية بتهمة التعامل مع النظام، وفي سبتمبر 2016 رُفعت قضية ضد شركة سويسرية-فرنسية بتهمة دعم النظام وتمويله.
  • ألمانيا: تعتبر ألمانيا من الدول القليلة في العالم التي طبقت مبدأ  التقاضي الدولي الصرف مما يعني أن المدعين والمحاكم قادرين على التحقيق والادعاء في مسائل الجرائم الدولية حتى في حال عدم كون ألمانيا طرفا في القضية، وبمساعدة المركز الأوروبي للدستور وحقوق الإنسان في برلين، فإن القضايا المرفوعة تستهدف ست شخصيات رفيعة في الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية تتهمهم بانتهاج التعذيب الممنهج في سجون سرية، وقد تم رفع 8 قضايا بناء على نظام الولاية القضائية العالمية خلال الفترة سبتمبر 2011-مارس 2017، كما تم إجراء 27 عملية تحقيق في المحاكم الألمانية، وتم رفع قضيتين ضد مواطنين ألمان بتهم تتعلق بارتكاب انتهاكات في سوريا، ويقوم الادعاء حاليا بتحليل 28000 ألف صورة لأشخاص تم تعذيبهم حتى الموت في السجون السورية، وقد جرى تهريب هذه الصورة من قبل المصور السابق للشرطة العسكرية السورية “قيصر”، ووضعها تحت تصرف الادعاء العام في أوروبا.
  • إسبانيا: في فبراير قبلت محكمة إسبانية فتح تحقيق ضد أعضاء في المؤسسة السورية، وذلك من قبل مواطنة إسبانية من أصول سورية رفعت القضية وفق الصلاحيات المحلية للقضاء عبر التمثيل القانوني من قبل منظمة “غورنيكا 37″، عن جريمة قتل أخيها الذي ظهرت صورة جثته ضمن ما نشر في ملف “قيصر”، إلا أن الدولة قامت بعد ذلك بأمر من المدعي العام، برفع استئناف ضد القرار حول صلاحية المحكمة بالنظر في القضية، وتم قبول ذلك الاستئناف.
  • السويد: تم رفع 3 قضايا ما بين عامي 2015 و2016 ضد مواطنين سوريين بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سوريا، وإجراء 13 تحقيقاً في المحاكم السويدية.
  • الولايات المتحدة الأمريكية: رفع مركز “العدالة والمساءلة” قضية عن طريق مكتب محاماة أمريكي ضد النظام السوري بتهمة قتل الصحفية الأمريكية ماري كولفين في يوليو 2016، وتم توجيه الاتهام لتسعة من ضباط استخبارات النظام أبرزهم: علي مملوك ورفيق شحادة وعصام زهر الدين. كما رفعت عائلة ستيفن سوتلوف (صحفي أمريكي قتل على يد داعش) عام 2016، دعوى قضائية في محكمة اتحادية أمريكية ضد النظام، واتهمت فيها الأسد بتوفير المال، والمواد، والدعم العسكري لداعش مّما “أدى إلى اختطاف وقتل ستيفن سوتلوف”. وفي عام 2018؛ تقدمت عائلة الصحفي الأمريكي “جيمس فولي” الذي قضى ذبحاً على يد تنظيم الدولة عام 2014، بدعوى قضائية للمحكمة الفيدرالية بواشنطن ضد حكومة النظام السوري، بدعوى “تسهيلها صعود تنظيم الدولة”، وجاءت الدعوى القضائية، تحت قانون “استثناء الإرهاب من الحصانة الممنوحة للكيانات الأجنبية ذات السيادة”، والذي يسمح بإقامة دعاوى مدنية لتعويض الأضرار من قبل رعاة الإرهاب الذين تمت تسميتهم من قبل واشنطن، والذين يقومون بالتعذيب والقتل واحتجاز رهائن خارج نطاق القضاء.

وشهد النصف الثاني من عام 2018 تطورات مهمة في مجال المحاسبة وفق “مفهوم الولاية القضائية الدولية”، حيث اتبع القضاء في النمسا خطى ألمانيا والسويد وفرنسا وإسبانيا، معلناً إطلاق تحقيقات ضد المخابرات السورية المسؤولة عن التعذيب الواسع النطاق والمنهجي، حيث قبل دعاوى جنائية رفعها 16 امرأة ورجل سوريين إلى النيابة العامة في فيينا في شهر مايو 2018، وشملت  24 مسؤولاً في حكومة الأسد، وذلك بدعم من قبل خبراء قانونيين في المركز الأوروبي لحقوق الإنسان والحقوق الدستورية (ECCHR)  في برلين وفي والمركز الدولي لتطبيق حقوق الإنسان (CEHRI) في فيينا، وبتعاون وثيق مع المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية (SCLSR) والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM). كما وافقت النيابة العامة في النمسا على التحقيق في قضية أخرى متصلة بالتعذيب في سوريا ضد شخص مشتبه به من مدينة الرقة مقيم في النمسا.

وأدت أربع دعاوى جنائية مشابهة بألمانيا إلى صدور أمر (يونيو 2018) بتوقيف رئيس المخابرات الجوية جميل الحسن، الأمر الذي شكل خطوة هامة لصالح المتضررين وعوائلهم، إذ تم تحديد هوية 26 مسؤولاً رفيع المستوى في أجهزة الاستخبارات السورية والمخابرات العسكرية، وتوجيه تهم لهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

ومن خلال إصدار مذكرة اعتقال كهذه، فإن مكتب المدعي العام الألماني يؤكد استعداد ألمانيا للانخراط في تحقيقات جدية وعملية للمساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبها القادة الأمنيون والعسكريون في سوريا، وعلى رأسهم مستشار الرئاسة الخاص لشؤون الأمن ومدير مكتب الأمن الوطني في سوريا اللواء علي مملوك الذي أصدر القضاء اللبناني بحقه مذكرة إحضار (2013) في قضية “محاولة قتل سياسيين ورجال دين ونواب ومواطنين، وحيازة متفجرات بقصد القتل والقيام بأعمال إرهابية” في لبنان، وفرضت عليه السلطات الاوروبية عام 2011 قيود تحرك وتجميد أصول لمشاركته في العنف ضد المتظاهرين. بالإضافة إلى مدير إدارة المخابرات الجوية اللواء جميل الحسن المتهم بارتكاب جرائم قتل وتعذيب وانتهاكات متعددة، وفرضت عليه السلطات الاوروبية عام 2011 قيود تحرك وتجميد أصول لمشاركته في العنف ضد المتظاهرين.

وعلى الصعيد نفسه أصدر قضاة فرنسيون مذكرات توقيف دولية (8 أكتوبر 2018) ضد ثلاثة من كبار ضباط النظام السوري؛ وهم علي مملوك، وجميل حسن، وعبد السلام محمود مدير فرع التحقيق في مركز اعتقال المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري، بتهم التورط في جرائم ضد الإنسانية، كما وجهت لعبد السلام محمود تهم التورط في جرائم حرب، على خلفية اختفاء وتعذيب وقتل كل من: مازن وباتريك عبد القادر الدباغ، من حاملي الجنسيتين الفرنسية والسورية. وكان مازن وباتريك قد تعرضا للاعتقال من قبل ضباط المخابرات الجوية السورية في نوفمبر 2013، حيث جرى احتجازهما في مطار المزة العسكري. وتم رفع القضية بفرنسا في أكتوبر 2016 من قبل عبيدة الدباغ، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) والرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان  (LDH)وبدعم من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM).

ويأتي ذلك القرار كجزء من تحقيق قضائي يتضمن ملف “قيصر” الشهير الذي استطاع تهريب ما يقارب 50 ألف صورة للمعتقلين القتلى في سجون وأفرع نظام بشار الأسد ما بين عامي 2011 و2013، حيث يُتوقع أن يواجه علي مملوك أحكاماً مماثلة في الولايات المتحدة بناء على دعوى قضائية رفعتها عائلة المصور الفرنسي “ريمي أوشليك” وعائلة المراسلة الأمريكية “ماري كولفين، اللذين قتلا عام 2012 بسبب قصف النظام الوحشي على مدينة حمص السورية.

_______________________________________________________________

[i]  من هذه المنظمات على سبيل المثال لا الحصر: المركز السوري للعدالة والمساءلة، ومركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، وبيت الخبرة السوري، ومركز توثيق الانتهاكات، والرابطة السورية للمواطنة، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، والهيئة السورية للعدالة والمساءلة، والمعهد السوري للعدالة والمساءلة، والمركز السوري للعدالة الانتقالية، ومنظمة اليوم التالي، ومنظمة مع العدالة، وتجمع المحامين السوريين الأحرار، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، واللجنة السورية لحقوق الإنسان، ومنظمة دولتي، ولجنة ضحايا سجن صيدنايا، والمركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، والمركز السوري للإحصاء والبحوث، ومركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، واللجنة القانونية بالائتلاف الوطني، والهيئة السورية للعدالة الانتقالية، وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، ومنظمة حقوق الإنسان في سوريا، ومجموعة العمل لأجل معتقلي سوريا، وهيئة محامين حلب الأحرار، ومركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، والمعهد السوري للعدالة، ومركز التآخي للديمقراطية والمجتمع المدني، واللجنة الكردية لحقوق الإنسان.

[ii] تكون المشروع من خمس مجالات رئيسة هي: حكم القانون، العدالة الانتقالية، إصلاح القطاع الأمني، إصلاح النظم الانتخابية، كتابة الدستور، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتم نشره في يوليو 2012، تحت عنوان: “مشروع اليوم التالي: دعم الانتقال الديمقراطي للسلطة في سوريا”.

 

.

.