المحاسبة

مبدأ البحث عن الحقيقة: عين ثائرة ضد مخرز الجلاد !


خلال سني الثورة طوّرت جميع منظومات الأمم المتحدة وسائل جديدة لتتغلّب على العقبات التي قابلتها-والتي وضعها في طريقهم النظام السوري وحلفاؤه الإيرانيون والروس-للوصول لأعلى مستوى من العدل والحقيقة

28 / كانون الثاني / يناير / 2019


مبدأ البحث عن الحقيقة: عين ثائرة ضد مخرز الجلاد !

 

 

*سائد الشخلها

 

 

 

لا يخفى على أحد أن العدالة الانتقالية في سورية أصبحت مطلباً حيوياً لابد من تحقيقه لضمان مستقبلاً يضمن بالحد الأدنى حياةً مستقرة سياسياً واجتماعياً داخل نسيج المجتمع السوري الممزق ويرمم ما خلفه سنين من الظلم والدكتاتورية لجميع طبقات هذا المجتمع.

ومن الملفات التي تهتم بها العدالة الانتقالية وتعتبر ركناً أساسياً فيه، هو ملف البحث عن الحقيقة، والذي بدون العمل عليه لا يمكن تحقيق العدالة أو حتى الاقتراب منها؛ وهذا الملف، المهم، شرع النظام السوري على محاربته منذ اندلاع الثورة، واستهداف قواعده والناشطين فيه بشراسة، مما يدل على تخوفه الشديد من هذ الملف ودوره في محاكمة قياداته وكشف جرائمهم.

 

يعود تاريخ مبدأ البحث عن الحقيقة لأواسط تسعينات القرن الماضي خلال الحرب اليوغوسلافية الأهلية، إذ بدأ الكلام حول أهميته في أروقة الأمم المتحدة كطريقة فعالة لتحقيق العدالة لضحايا تلك الحرب، وكان للجان الحقيقة دور كبير في كشف ملابسات “مجزرة سربرنيتشا”، التي راح ضحيتها ثمانية آلاف بوسني تحت نظر  ومسمع قوات الأمم المتحدة، ليتبعه عمل ضخم على هذا الملف في كل من الحرب الأهلية في “رواندا” و”يوغوسلافيا” و”رواندا” و”بوروندي” و”تيمور الشرقية” و”لبنان”، وانتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، ورغم تفاوت الأثر الذي حققه في كل الملفات إلا أنه  قد أثبت أن لا عدالة انتقالية تحقق في أي بلد دونه.

 

يتفرع عن مبدأ البحث عن الحقيقة عدة لجان يختص كل منها بعمل معين، فـ “اللجان التاريخية” تقوم بتحقيقات حول انتهاكات الدولة التي اُرتكبت وانتهت منذ سنوات عديدة، أو حتى منذ عقود. أما “لجان التحقيق” فهي تقوم بتحقيقات رسمية أو شبه رسمية في جرائم حقوق الإنسان الماضية، والتي تتقاسم نفس المميزات مع لجان الحقيقة ولكن تختلف عنها لأنها محدودة بقدر أكبر من حيث نطاقها أو سلطتها، أو أقل استقلالاً من العمليات السياسية. تليها “هيئات تقصي الحقائق” وهي تراقب انتهاكات حقوق الإنسان وتحقق فيها وتعد تقارير عنها، وهي تتضمن آليات الأمم المتحدة المختلفة مثل: مكاتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، والمبعوثين الخاصين للأمين العام أو المفوض السامي لحقوق الإنسان، وهيئات معاهدات حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين والخبراء المستقلين المعينين من طرف لجنة حقوق الإنسان حول مواضيع خاصة أو مهام خاصة ببعض البلدان وآخرها “لجان الحقيقة” وهي هيئات غير قضائية تتمتع بنوع من الاستقلال القانوني، ويتم تشكيلها غالباً في مرحلة من مراحل الانتقال السياسي، سواء من الحرب إلى السلم أو من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية، وهي تركز على الماضي، وتحقق حول نماذج من الانتهاكات الخاصة المرتكبة خلال مدة من الزمن، وليس فقط حول حدث خاص بعينه، وهي تعطي الأولوية لحاجيات الضحايا والإصابات، وتنهي في معظم الأحيان عملها بتقديم تقرير نهائي يتضمن الاستنتاجات والتوصيات، وهي تركز على انتهاكات حقوق الإنسان وفي بعض الأحيان على انتهاكات المعايير الإنسانية كذلك.

طورت الثورة السورية وعلى مدار سنوات مفهوم البحث عن الحقيقة وأضافت عليه الكثير من التغيرات التي تعد إيجابية وخاصة فيما يخص مبدأ الأثر الزمني وعلى المستويين الأممي والمحلي معاً، فعلى صعيد الأمم المتحدة قامت وعلى غير العادة عدة لجان للحقيقة حتى قبل نهاية الثورة أو تغير السلطة الحاكمة، فقد أُنشئت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية في آب 2011 بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان الذي اعتُمد في دورته الاستثنائية السابعة عشرة وعُهد إليها بولاية التحقيق في جميع الانتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان منذ آذار2011، وقد مدد مجلس حقوق الإنسان مراراً ولاية اللجنة منذ ذلك الحين، وكان آخرها حتى آذار 2018، وأصدرت اللجنة منذ بداية عملها أكثر من عشرين تحقيقاً استندت لأكثر من 6000 مقابلة أجرتها مع ضحايا وشهود.

يضاف للجنة التحقيق الدولية عشرات اللجان الدولية الخاصة، منها لجنة تقصي الحقائق في حادثة “خان شيخون” ولجنة تقصي الحقائق في حادثة الكيماوي في “الغوطة” ولجنة التحقيق بانتهاكات قوات سورية الديمقراطية، وآخرها اللجنة الخاصة بإعدام النظام السوري لمئات المعتقلين في سجن صيدنايا ولكنها للآن لم تفعَّل الأخيرة أو تقدم أي تقرير يذكر.

وعلى الصعيد المحلي يتصدر اللجان المحلية التي كان لها دور رئيسي بكشف جرائم النظام وخروقاته “لجان التنسيق المحلية في سورية”، وهي 70 شبكة مؤلفة من إعلاميين وناشطين انطلقت مع انطلاق الثورة السورية، وكان لها دور بارز  في تنظيم المظاهرات ورفع تقارير للمنظمات الدولية تتضمن أعداد الضحايا ومناطق القصف والتحركات العسكرية وأخبار المناطق المحاصرة، و”مركز توثيق الانتهاكات في سورية” الذي اُعتمد أكثر من تقرير له من قبل لجان دولية كمنظمة “هيومن رايتس ووتش” وكذلك منظمة “مع العدالة” التي تصدرت في الآونة الأخيرة الواجهة من خلال إصدار تقارير  عديدة تحت مسمى “جناة” لفضح جرائم قادة النظام، وأدوارهم في الجرائم التي حصلت وتحصل في سورية.

وقام النظام السوري بمحاولات كثيرة لوأد أي مشروع يبنى على مبدأ البحث عن الحقيقة، واستهدف العاملين فيه بشكل عنيف وممنهج، لمعرفته الواضحة بدور هذا المبدأ بمحاسبته ورموزه حالياً أو في المستقبل، كقصفه لمقر “اللجان المحلية” في مدينة حمص عام 2012 وديرالزور عام 2013 وريف دمشق الذي تعرض لأكثر من عملية قصف وملاحقة لأعضائه، وإخفائه قسرياً لعدد كبير من الناشطين بهذا المجال. ففي شباط عام 2012 قامت المخابرات الجوية بدمشق باقتحام مكتب “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” واعتقلت مديره “مازن درويش” و12 من رفاقه، ووجهت له تهمة “باستغلال أنشطته في حماية حقوق الإنسان، في محاولة لدعم الأعمال الإرهابية، وتأجيج الوضع الداخلي في سورية، واستفزاز المنظمات الدولية لإدانة سورية في المحافل الدولية”.

ولم تكن محاربة الباحثين عن الحقيقة ومشاريعهم حكراً على نظام الأسد، فهي كانت مهمة كل فصيل ذي أجندة غير وطنية، حتى وإن اقتصر وجوده على “العمل المسلح” تحت شعار الثورة. ومن الأسماء البارزة التي تعرّضت للاختفاء القسري بسبب عملها في مجال البحث عن الحقيقة -رزان زيتونة وزوجها وائل حمادة وسميرة خليل وناظم حمادي؛ الذين كانوا من مؤسسي اللجان المحلية في مدينة دمشق، حيث اختفوا عام 2013 وكل الدلائل تشير منذ ذلك الحين أن “جيش الإسلام” هو من اعتقلهم، وأخفاهم قسرياً حتى هذه اللحظة. وكذلك قام تنظيم الدولة “داعش” بإعدام الكثير من الناشطين العاملين في هذا المجال، ومنهم -سامر العبود ومصطفى حاسة وآخرون. إذ أذاع التنظيم جريمته على الملأ بإصدار “وحي الشيطان” الشهير، وكذلك قام التنظيم باغتيال المحامي “عبد الرحيم الشيخ” في الرقة، وكان معروفاً عنه العمل في مجال نقل وكشف الحقيقة لجهات دولية ومحلية.

رغم العمل الكبير الذي قدمه المجتمع الدولي والمنظمات المحلية العاملة بالقضية السورية بشأن العدالة الانتقالية، وتحديداً مبدأ البحث عن الحقيقة، إلا أن المستهجن هو الإهمال الواضح لهذه الملفات من قبل مجلس الأمن، حيث إن العديد من اللجان قد أنشأت تحت مظلته، إلا أن الفيتو الروسي قد أجهض أي مساعٍ لهذه اللجان بتحويل تقاريرها لقرارات داخله، يضاف إليها الإهمال الواضح للملف السوري من قبل أكبر المنظمات الدولية العاملة بموضوع العدالة الانتقالية كـ “المركز الدولي للعدالة الانتقالية” فهو رغم دعمه لعمل لجان حقيقة في 12 دولة، ومساعدته لمشاريع غير رسمية على مستوى العالم، وتقديمه النصح للجنة الحقيقة في كل من “المغرب وغرينزبورو في كارولينا الشمالية وكولومبيا”، إلا أنه لهذه اللحظة لم يدعم أو يساهم بدعم أي قضية أو مشروع في سورية، رغم توجه الكثير من المنظمات الحقوقية السورية لهم وطلب العون منهم.

خلال سني الثورة طوّرت جميع منظومات الأمم المتحدة وسائل جديدة لتتغلّب على العقبات التي قابلتها-والتي وضعها في طريقهم النظام السوري وحلفاؤه الإيرانيون والروس-للوصول لأعلى مستوى من العدل والحقيقة. ولمّا تزل طرقهم تتطوّر في تغيّر واضح لمبادئ الأمم المتحدة، وكان ذلك  واضحاً ومميزاً في مجال العدالة الانتقالية، مما دفع الكثيرين وأنا منهم للمطالبة بالعمل على صناعة لجنة تقصّي حقائق خاصة بسوريا، حيث إن المنظمات الحقوقية السورية في أوج عطائها حالياً، وهو الوقت المناسب للانتقال خطوة على الصعيد المحلي، فالصعيد الدولي والسياسي عقيم حالياً، يضاف إلى ذلك سيطرة النظام السوري على مناطق كثيرة في البلاد، قد تؤدي لطمس الكثير من الحقائق إن لم نعمل على حفظها وتوثيقها من خلال لجنة واحدة لها اختصاص قانوني مثابر، إذ إن المستقبل القريب قد يحمل في طياته أساليب جديدة قد تحاسب الجناة على جرائمهم، وستكون لجان الحقيقة الأنشوطة التي سيعلقون عليها بما تحمله من ملفات لا تقبل الشك بحقيقة القاتل أو دافعه.

 

المزيد للكاتب

      ⇓

    هنا