#########

المحاسبة

المصالحات: خديعة الأسد للهروب من العدالة


أما الأهالي الذين صدموا بورود أسماء أبنائهم في اللائحة المذكورة، دون حصولهم على أثر لجثثهم، فقد توجهوا إلى دوائر النفوس ليتم توقيعهم على شهادة وفاة لأسباب "طبيعية" أيضاً!

28 / آب / أغسطس / 2018


المصالحات: خديعة الأسد للهروب من العدالة

 

أحمد طلب الناصر

 

 

تمهيد..

تم تطبيق مبدأ “المصالحة الوطنية”، كواحد من أسس العدالة الانتقالية، في بعض الدول التي شهدت نزاعات وحروب، بعد فشل الحلول الأمنية والعسكرية والسياسية الدولية في وقف انتهاكات حقوق الإنسان وإحلال السلم الأهلي في تلك الدول.

وبشكل نسبي ومتفاوت، نستطيع القول بأن تجارب المصالحة تلك قد نجحت في إنهاء حالة العنف وإجراء عملية الانتقال السياسي في تلك الدول عموماً.

ونذكر من بين تلك التجارب، على سبيل المثال، تجربة المصالحة الوطنية في دولة الجزائر عقب أزمة 1992 التي أدت إلى اندلاع المواجهة المسلحة بين الحكومة من جهة والجماعات الإسلامية (جبهة الإنقاذ) من الجهة الأخرى، لتستمر زهاء عقد من الزمن قبل إطلاق “بو تفليقة” قانون “الوفاق المدني” 1999 وما تبعه من إنهاء حالة الصراع لقاء تخفيف الأحكام القضائية ضد المسلحين أو منحهم العفو العام.

وكذلك جاءت تجربة “لجنة المصالحة والحقيقة”، التي أطلقها الزعيم “نلسون مانديلا” في دولة جنوب أفريقيا عام 1995، لتنهي 40 عامًا من انتهاكات التمييز العنصري، فلعبت تلك التجربة دورًا هامًّا في تطوير مجال العدالة الانتقالية.

وقبل تلك التجربتين، كانت التجربة الألمانية عقب الحرب العالمية الثانية 1945 وكذلك عقب إزالة جدار برلين نهاية 1989 وتوحيد الألمانيتين؛ والتجربة الإسبانية بعد موت “فرانكو” بعامين وإطلاق قانون “العفو السياسي” 1977.

 

وقبل أن ننتقل للحديث عن إشكالية طرح المصالحة الوطنية في المشهد السوري اليوم، نتيجة الحرب التي أعلنها نظام الأسد عقب اندلاع الثورة السورية منذ ما يقرب 7 سنوات وما تمخّض عنها من جرائم ضد البشرية وانتهاكات لحقوق الإنسان، سنأتي أولاً على توضيح مفهوم الجزئية المتعلقة بالمصالحة ضمن العملية الكاملة للعدالة الانتقالية التي ينشدها السوريون.

  • المصالحة الوطنية ضمن منظور السوريين للعدالة الانتقالية:

إن الهدف المرجو من تطبيق العدالة الانتقالية التي يطالب بها السوريون عموماً، يتجسد بكل وضوح في الانتقال من النظام الاستبدادي والشمولي إلى مجتمع تسود فيه العدالة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وتتوفر فيه ضمانات تحول دون تكرار تلك الانتهاكات أو غيرها، بمعنى التحوّل نحو الديمقراطية عبر بناء دولة مؤسسات مدنية دستورية.

 والمطلوب لتحقيق ذلك، توفّر خطة متكاملة محددة بفترات زمنية واضحة، على أن تبدأ الممارسة العملية بقرارات صائبة وخطوات ثابتة تبدأ بالخطوة الأكثر أهمية ثم التي تليها في الأهمية وهكذا دواليك.

وانطلاقاً مما سبق، فإن تجربة المصالحة الوطنية التي تم تطبيقها في الدول التي مررنا عليها آنفاً، تختلف كليّاً عمّا يمكن تطبيقه لإنهاء حالة الصراع في سوريا والتمهيد لعملية الانتقال السياسي والديموقراطي فيها، وذلك لثلاثة أسباب:

الأول: يتجلى بخصوصية الثورة السورية، كواحدة من ثورات الربيع العربي، التي قامت، وبمشاركة شعبية عامة، ضد “نظام” قمعي استبدادي شمولي “مغتصب” للسلطة، ولم تكن حرباً أهلية كما حصل في إسبانيا في ثلاثينيات القرن المنصرم، ولم تكن أيضاً صداماً مسلحاً نتيجة صراع انتخابي كما حصل في الجزائر، كما وأنها لم تقم بدافع التمييز العنصري كما حصل في جنوب أفريقيا أو يوغسلافيا..

الثاني: يتجسّد باستمرار فشل المجتمع الدولي في تبني قرار من شأنه فرض وقف آلة القتل والتدمير المسؤولة عن قتل مئات الآلاف وتهجير أكثر من 10 ملايين سوري، بالإضافة إلى ضبابية موقف دول القرار من نظام الأسد وعدم اكتراثها لإيجاد حل عادل للقضية السورية.

الثالث، وهو الأهم: يتمحور حول تراتبية الأهداف الرئيسة لتحقيق العدالة الانتقالية في الحالة السورية، والتي يجب أن تنفّذ تباعاً كما يلي:

  • وقف انتهاكات حقوق الإنسان وتعويض الضحايا.
  • تحقيق السلام الدائم.
  • تحقيق المصالحة الوطنية.

إذن، لتحقيق شرط المصالحة التي نحن بصددها، يتوجّب في البداية تنفيذ شرطَي وقف الانتهاكات، وتحقيق السلام الدائم، الشرطان اللذان يمهّدان لخلق أرضية مناسبة لعودة المهجّرين دون خوف أو قلق، واستعادة حقوقهم، ومن ثمّ تطبيق المصالحة الوطنية؛ إلا أن الشرطين الأولين لا يمكن تحقيقهما مطلقاً بوجود العنصر المغذّي للعنف والانتهاكات، والعقبة الرئيسة أمام تحقيق الانتقال نحو المصالحة، ونقصد (النظام السوري).

  • نظام الأسد وخديعة المصالحة:

الخدعة الأولى- اختلاق العدو:

 

أدرك نظام الأسد، ومنذ اللحظة الأولى التي استخدم فيها آلة القتل ضد المحتجين السلميين، بأنه سيكون عرضة لمساءلة مؤسسات ومنظمات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية كما حصل مع أنظمة سابقة؛ فقرّر الالتفاف على القانون الدولي باستغلاله مبدأ “المصالحة الوطنية” الذي نصّت عليه آلية العدالة الانتقالية ونجحت بعض الأنظمة بتطبيقه.

ولينجح بتطبيق مبدأ المصالحة التي فصّلها لتناسب سياساته الأمنية وتغطية انتهاكاته الفاضحة،  كان لا بدّ للنظام من إيجاد طرفٍ مناهض يقاسمه الصراع المسلّح، ليكون مسوّغاً لتنفيذ مبدأ المصالحة، باعتباره يتم بين طرفين متحاربين وليس بينه وبين الثوار المدنيين العزّل؛ فجاء ظهور الفصائل المسلحة، وجلّ قادتها من الإسلاميين الذين أطلقهم من سجن صيدنايا نتيجة مرسوم العفو الرئاسي بنهاية شهر أيار/ مايو 2011، ليتصدروا المشهد على الساحة السورية، فقدموا بذلك فرصة ذهبية للنظام لتنفيذ خطته في التخلّص من المساءلة والمحاسبة، وليستمر أيضاً في ارتكاب انتهاكاته بحجة حربه على (الجماعات الإرهابية) المناهضة له وللمجتمع الدولي، ما يتيح له فرض حالة المصالحة على الثوار ومناطقهم في المستقبل.

 

 

الخدعة الثانية- ابتداع وزارة “المصالحة الوطنية”:

بعد نجاحه باختلاق البند الأول من خطته، والذي تجسّد بإعلان تشكيل الفصائل الإسلامية الأوسع انتشاراً على الساحة السورية (جيش الإسلام- أحرار الشام- النصرة) خلال الربع الأول من عام 2012، استحدث النظام وزارة جديدة في حزيران/ يونيو 2012 أطلق عليها “المصالحة الوطنية” ليبدأ عبرها بتنفيذ مخططه الهادف لاستبعاد شبح الملاحقة والمساءلة عن رموزه مع استمرار ارتكابه للانتهاكات الصارخة، وأيضاً للتهرّب من إعادة الحقوق المستلبة لأهلها وتعويض خسائرهم، وذلك من خلال إخضاع المناطق الثائرة إلى سلطته، مستخدماً بذلك جميع أشكال الضغط المتاحة، كالقصف والحصار والتجويع، والأسلحة الكيماوية.

ولعل من أشدّ ما أثار الانتباه في قصة استحداث تلك الوزارة كان تنصيب “علي حيدر” وزيراً عليها؛ وهو طبيب عيون من أبناء مدينة مصياف، ومن أبناء الطائفة “الإسماعيلية” ذات الأكثرية المعادية لنظام الأسد تاريخياً، وكان هذا الوزير الجديد رئيساً للحزب السوري القومي الاجتماعي، جناح “الانتفاضة”، الجناح الذي كان يدّعي معارضته –شكلياً- للنظام السوري خلافاً للجناح الثاني “الطوارئ” الموالي للنظام منذ أيام الأسد الأب؛ أضف إلى ذلك، فإن “إسماعيل” الابن البكر للوزير “حيدر”، كان من أوائل الشباب الثائرين المشاركين بالمظاهرات التي شهدتها مدينة حمص القريبة من مصياف، ولقي حتفه على يد عناصر حاجز لجيش النظام وهو عائد بسيارته إلى مصياف عقب مشاركته بإحدى المظاهرات في حمص قبل تسلّم والده الوزارة بأقل من شهرين([1]).

 

أراد النظام من اختياره لعلي حيدر- الذي تبنّى ادعاء النظام لحادثة مقتل ابنه على يد الإرهابيين- خداع السوريين والمجتمع الدولي من خلال إيصال صورة الأب المفجوع بابنه البكر، والذي كان طالباً في كلية الطب، مطالباً بالعفو والمسامحة، ومصالحة قتلة ابنه من المسلحين و”الإرهابيين المغرّر بهم”، لأجل مصلحة الوطن، أو كما صرّح: “من أجل ذهاب السوريين جميعهم إلى مصالحة وطنية وأنا مستعد للتضحية بأولادي الباقين والعائلة كلها إذا كان ذلك سيحقق هذا الهدف([2])”.

 

  • أساليب النظام في فرض المصالحة على المدن الثائرة:

راح النظام، بدعم من الروس والميليشيات “الرديفة”، يمارس سياسة المصالحة الوطنية كما يتناسب مع خطته التي رسمها بدقة؛ فالمناطق التي لم يستطع إخضاع أهلها بقوة مدافعه والطيران الروسي، استخدم طرقاً وأساليب عديدة لإرغام أهلها على “مصالحته”؛ ومن أهم تلك الأساليب:

  • فصل المناطق الثائرة عن بعضها البعض لعزلها وإطباق الحصار عليها
  • تكثيف القصف على المرافق الخدمية والمشافي والمدارس لتطال أكبر عدد ممكن من المدنيين.
  • منع منظمات الإغاثة الأممية من إدخال الغذاء والدواء إلى المناطق المحاصرة ما أدّى إلى تجويع أهلها ووفاة العديد من المرضى لا سيما الأطفال والشيوخ.
  • تأليب مشاعر المواطنين القاطنين في المناطق الآمنة، بالإضافة إلى الأطراف الدولية، ضد المناطق الثائرة من خلال قصف النظام لبعض المناطق المدنية الخاضعة لسيطرته واتهام الثوار بذلك؛ إضافة إلى ضرب البنى التحتية وموارد الطاقة الكهربائية والمائية، مثال ما حصل حين قصف نبع الفيجة وقطع المياه عن مدينة دمشق، وما ترتّب عليه من ترحيل معظم سكانها إلى الشمال السوري وفرض المصالحة على من بقي.
  • إعلام النظام المفبرك والموجّه لأبناء المناطق المحاصرة، واختراقه الأمني لبعض قُوّاد الفصائل، ما عرف لاحقاً بظاهرة (الضفادع) نسبة لأحد قادة الفصائل الإسلامية “بسام ضفدع” الذي تم اكتشاف تعاونه مع مخابرات النظام في الغوطة الشرقية؛ وأولئك (الضفادع) تم عقد اتفاقات منفردة معهم، ما أدّى لزعزعة موقف الثوار واختلال موازين القوى، وفقدان الثقة من قبل القاعدة الشعبية التي صارت تحمّل الفصائل مسؤولية التدمير الذي طال مناطقهم.
  • استخدام النظام للسلاح الكيماوي بشكل متكرر، لفشل المجتمع الدولي في ردعه منذ الضربة الأولى على الغوطة الشرقية في آب/ أغسطس 2013، ولعل هذا الأسلوب من أشد الأساليب التي دفعت الثوار لقبول “مصالحات” النظام الخلبية.

 

  • التسويات: ورقة النظام الثمينة ومحامي الدفاع:

الإجراء الرئيس والأهم، المقرون والمتزامن مع فخّ المصالحة هو “التسوية”؛ فبمجرد سيطرة النظام على منطقة ما عقب أية مصالحة مع الفصائل المسلحة، وترحيل من يرفض البقاء تحت سلطة النظام إلى الشمال السوري المحرر، تأتي خطوة التسوية.

والتسوية التي يجريها النظام مع أبناء المناطق العائدة لسلطته هي في حقيقة الأمر عبارة عن توقيع إقرار مطبوع من قبل الأهالي، يعترفون من خلاله بشرعية النظام وتبعيتهم له، وبأنهم أخطأوا بحقه، وبالتالي يتحملون مسؤولية دم أبنائهم ودمار مدنهم مقابل براءة النظام!

ويتضمن الإقرار إضافة إلى ذلك، التوقيع على تعهّد بعدم تكرار تلك الأفعال والخضوع للمساءلة القانونية التي يحددها النظام (حامي البلاد ومحررها من براثن الإرهاب!).

بعد ذلك يتم تجميع الشباب، ممن كانوا في صفوف فصائل المعارضة ومن القادرين على حمل السلاح، ليتم زجّهم في جبهات المدن المستهدفة بتنفيذ المصالحات القادمة، كما حصل مع شباب الغوطة والجنوب السوري.

 

 

وكما نعلم، فإن معظم التسويات التي نفّذت، كانت بإشراف الجانب الروسي الذي تعهّد بضمان سلامة المتصالحين وعدم ملاحقتهم أمنياً وقضائياً، ومنع قوات النظام من دخول مناطق التسوية؛ إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث في جميع مناطق التسوية؛ فما إن يتم تسليم المناطق إلى الجانب الروسي، وترحيل الرافضين للتسوية إلى مناطق الشمال المحرر، حتى تبدأ قوات النظام بالدخول إلى الأحياء والمنازل لملاحقة واعتقال المطلوبين، وتصفية بعضهم، وإتمام عمليات “التعفيش”.

ويحرص النظام اليوم على تنظيم عشرات الآلاف من ملفات وأوراق التسوية والحفاظ عليها لتكون شواهد دفاع عن جرائمه المرتكبة بحق السوريين في حال تعرضه لمساءلة المحاكم الدولية ولجان تقصي الحقائق مستقبلاً.

 

  • مصالحة الأموات ونبش القبور!

لعل من أشد ما أثار غضب السوريين ونقمتهم ضد النظام مؤخراً، هو نشره للائحة بأسماء 8 آلاف معتقل قضوا تحت التعذيب في سجونه، من جميع المدن السورية؛ وعلى أثر ذلك طُرحت العديد من التساؤلات حول دافع النظام وغايته من عملية النشر تلك، لا سيما وأنها تشكل دليلاً على إدانته.

 وما هي إلا أيام قليلة حتى وصل الجواب واتضحت الصورة أمام الجميع، وذلك بعد توافد الأخبار الصادرة من غالبية ذوي المعتقلين تؤكد معرفتهم المسبقة بخبر وفاتهم قبل نشر اللائحة وتعميمها على دوائر النفوس في المحافظات السورية. كما أن اللائحة تضمنت أسماء لبعض الشخصيات التي لا تزال على قيد الحياة أو لأناس قضوا في المظاهرات، أو في أماكن خارج المعتقلات.

ما يهم في أمر تلك اللائحة ودافع النظام في نشرها، يكمن في أن جزءاً يسيراً من أهالي أولئك المتوفين كانوا قد تسلّموا جثث أبنائهم فيما مضى بعد إجبارهم على توقيع إقرار نصّ أن المتوفى قد لقي حتفه على يد “الجماعات الإرهابية” أو بسبب “سكتة قلبية” أو نتيجة أسباب أخرى بعيدة عن مسؤولية النظام.

أما الأهالي الذين صدموا بورود أسماء أبنائهم في اللائحة المذكورة، دون حصولهم على أثر لجثثهم، فقد توجهوا إلى دوائر النفوس ليتم توقيعهم على شهادة وفاة لأسباب “طبيعية” أيضاً!

وبتلك العملية يكون النظام قد حقق، بحساباته، هدفين اثنين، الأول: الهروب من كابوس المساءلة أو الإدانة بجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان فيما لو تعرّض لذلك؛ والثاني: حصر أعداد ضحايا التعذيب بتلك اللائحة المتضمنة 8 آلاف اسم فقط، وإنكار أسماء بقية المفقودين والمغيبين الذين تجاوز عددهم المئة ألف.

ولم تقف ممارسات وأساليب النظام عند هذا الحدّ من محاولات التضليل وطمس الحقائق، بل استمرت لتطال قبور الذين قضوا جرّاء وحشيته وأسلحته الكيماوية..

فقد كشف ناشطون سوريون، ينحدرون من الغوطة الشرقية بدمشق، أن قوات النظام السوري نَبَشت مقبرة “زملكا”، التي دُفن فيها ضحايا مجزرة الكيميائي في 21 أغسطس/ آب سنة 2013، مُرجّحين أن تكون هذه القوات قد نقلت الجثث إلى مكانٍ آخر؛ ورجّحت المصادر أن يكون سبب إجراء النظام هذا إخفاء آخر أثرٍ يُمكن أن يظهر، إذا ما تم فتح تحقيق جديد مستقبلاً، بشأن المجزرة الكيميائية، التي وقعت قبل خمس سنوات، لأكثر من 1400 قتيل، بينهم مئات النساء والأطفال([3]).

كما عمد النظام، أواخر نيسان/ أبريل 2018، بعيد دخوله الغوطة الشرقية إلى محاصرة الحديقة التي دُفن فيها شهداء مجزرة الكيماوي التي نفذها في دوما 7/4/2018، حيث قام بنقل بعض الجثث إلى مكان مجهول في حين دفن الباقي في مقبرة المدينة القديمة، وذلك في سبيل إضاعة الأدلة على ارتكابه المجزرة التي أدت لتهجير ثوار المدينة نحو الشمال السوري([4]).

خاتمة:

والحال، فإن ما ينفّذ اليوم من تخطيط مدبّر يعقب عمليات النظام العسكرية الإجرامية في مناطق واسعة من سوريا، تحت مسمّى “المصالحة الوطنية”، لا يصب في خانة المصالحة بشيء، ولا يمهّد لأية عدالة منشودة في المدى المنظور.

فالآلية التي يمارسها النظام لتحقيق “مصالحاته” المرتكزة على آلة الحرب والحصار والتجويع والانتقام والخداع والحيلة وطمس الحقائق، لن تفيده في إخفاء حقيقة الجرائم التي تجاوزت بوحشيتها حدود المعقول.

والمصالحات التي يفرضها نظام الأسد اليوم ما هي إلا عقود إذعان ورضوخ للناس، ومحاولات يائسة للالتفاف على مسار العدالة الدولية، ولن تنتج في مستقبل الأيام سوى المزيد والمزيد من الكراهية والحروب والخراب.

لذا، يتوجّب على المجتمع الدولي الوقوف أمام مسؤولياته قبل فوات الأوان، فما يهم السوريين جميعهم بالدرجة الأولى اليوم هو الخلاص من جميع أشكال الخراب الذي لحقهم بسبب عنجهية النظام وإيغاله في انتهاك حرمة الإنسانية دون اكتراثٍ من أحد.

 

***

حواشي:

[1] – جميع المعلومات الواردة والتي تتناول الحديث عن علي (الشيخ) حيدر وابنه إسماعيل في هذه الفقرة هي من معرفتي وعلاقتي الشخصية التي ربطتني بالاثنين حين كنت على علاقة بأفراد الحزب القومي حتى فترة قريبة من اندلاع الثورة. وقد ادّعى النظام بأن جماعات (إرهابية) اغتالت إسماعيل ورفيقه “فادي عطاونة” الذي أعرفه أيضاً وأصله فلسطيني أردني مقيم بدمشق، إلا أن المنطقة كاملة كانت وما زالت تحت سيطرة النظام، وأكّد لي العديد من أبناء مصياف في ذلك الوقت بأن السيارة والجثتين بقيت بقرب الحاجز إلى حين انتشال الجثتين. 

[2]حديث لعلي حيدر في موقع “دام برس”  

[3] – صحيفة العربي الجديد، خبر بعنوان ” نظام الأسد نَبَشَ قبور ضحايا مجزرة “الكيميائي” للكاتب عادل محمود، 18/8/ 2018

[4] – صحيفة صدى الشام، تقرير بعنوان ” في ذكرى كيماوي الغوطة غياب العدالة ومسح آثار الجريمة” للكاتب عمار الحلبي، 21/8/2018.

.

.

المزيد للكاتب