#########

العدالة والمساءلة

أثر تطبيق قانون قيصر.. على المشهد الاقتصادي والمعيشي السوري


نستطيع أن نُطلق على المرحلة التي بدأت بدخول قانون قيصر حيز التنفيذ منتصف حزيران – يونيو 2020 بأنها مرحلة إطباق العزلة على النظام السوري عن طريق إجراءات تشديد صارمة لإغلاق الحدود، بدا أنها آتت أكلها في كل من الأردن والعراق بشكل كبير.

18 / شباط / فبراير / 2021


أثر تطبيق قانون قيصر.. على المشهد الاقتصادي والمعيشي السوري

المصدر: جسور للدراسات – إعداد الباحث: أ. خالد التركاوي

مقدمة

تم توقيع قانون العقوبات الأمريكية الأخير الذي يحمل اسم “قيصر” أواخر عام 2019، ودخل فعلياً حيز التنفيذ في منتصف شهر حزيران/يونيو 2020.

وقد أتى تطبيق القانون في مرحلة صعبة للغاية يعاني منها الاقتصاد السوري من تراجع في مختلف المؤشرات، ومن تدنّي الوضع المعيشي والإنساني في مختلف المناطق على خلفية حرب مستمرة دمرت معظم الجهاز الإنتاجي، وجانباً مهماً من البُنى التحتية وشردت ملايين من السوريين، وتركت خلفها مدناً بأكملها خاوية على عروشها.

ووفقاً للقانون، فإنّ تنفيذه سيستمر طالما استمر قصف المناطق السورية وحصارها، ومنع تدفق المساعدات الإنسانية للمدنيين، واستمرار عمليات التهجير القسري، وعدم وجود آلية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، واحتجاز مدنيين بشكل تعسفي.

ونص القانون على ضرورة تقييم المعاملات التي يقوم بها مصرف سورية المركزي خلال 180 يوماً من دخوله حيز التنفيذ، وهو ما يستحق نهاية عام 2020. ويتوقع أن وزارة الخزانة الأميركية قد قدمت بالفعل تقريرها للجان الكونغرس المعنية حول عمليات المصرف المركزي السوري، وما إذا كان يقوم بعمليات غسيل أموال لصالح النظام السوري. كما يُتوقع أن يتم تحديد الأشخاص الأجانب والجهات الحكومية التي تدخل بشكل رئيسي في نطاق العقوبات المنصوص عليها.

كما نص القانون على وضع قوائم بالشخصيات والجهات الأجنبية التي تقدم مساعدة للنظام السوري في مجال الخروقات التي يقوم بها.

استهدف قانون قيصر منذ البداية عزل النظام السوري عن العالم من خلال فرض عقوبات على أي كيان/شخصية تتعامل مع النظام في المسائل التي تُعدّ محل فرض عقوبات، كما استهدف القانون وقف عمليات إعادة الإعمار وتدفق أي أموال محتملة على سبيل الاستثمار في سورية، وتخفيض الموارد الرئيسية التي يمكن للنظام السوري أن يحصل عليها.

كما سعى القانون إلى منع النظام من الاستفادة من التقنيات المتقدمة في مجال الاتصالات والطاقة وأي تقنيات حديثة، كما شجع القانون على تقديم تقارير ووثائق حول انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، ودفع باتجاه فسح المجال للمؤسسات الإنسانية الراغبة بالعمل في مناطق سيطرة النظام السوري بالتحرك بعيداً عن النظام السوري.

ولكن هذا كله يبقى محل جدل من أطراف مختلفة حول ما تم تطبيقه وما يمكن تطبيقه وما هي آثار تطبيقه.

يأتي هذا التقرير بعد مرور خمسة أشهر على دخول قانون قيصر حيز التنفيذ، ومن الضروري مراجعة آثاره التي نتجت عنه سواء على النظام السوري أو على المدنيين السوريين المتواجدين في مناطق النظام أو في المناطق الخارجة عن سلطته، ويهدف هذا البحث إلى إجراء مراجعة لما تم تطبيقه وما نتج عن ذلك من آثار عملية التطبيق.

 

أولاً: المشهد الاقتصادي السوري قبيل تطبيق قانون قيصر

بلغ عدد سكان سورية مطلع عام 2020 قرابة 16 مليون نسمة(1)، فيما تشير أرقام المؤسسات الدولية كالبنك الدولي إلى أن العدد قد يصل إلى 17 مليون نسمة(2). ويتوزّع السكان على ثلاث مناطق رئيسية هي:

1. مناطق سيطرة النظام.

2. مناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب سورية.

3. مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية في شرق الفرات.

وقد تعرّض الناتج المحلي الإجمالي، والذي بلغ في عام 2010 حوالي 55 مليار دولار(3)، لانخفاض شديد بسبب تأثر الأنشطة الإنتاجية الرئيسية، بعد خروج معظم المعامل من الخدمة، وتراجع إنتاج النفط بنسبة تزيد عن 90%، وتراجع السياحة إلى معدلات قريبة من الصفر، وتراجع التصدير من 9 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 700 مليون دولار في 2018(4) (ويتوقع أنه استمر بنفس النسبة تقريباً في عام 2019)، كما انخفضت الاحتياطات النقدية الموجودة لدى البنك المركزي من 21 مليار دولار قبل 2011 إلى أقل من مليار واحد في 2019(5).

ورغم أن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي على أساس سنوي قاربت 3000 دولار أميركي قبل 2011، إلا أن الانخفاض الكبير في الناتج المحلي الإجمالي وقيمة العملة يجعل هذه الحصة تقل عن 900 دولار لعام 2019، ولا تزيد عن 500 دولار أميركي على أساس سنوي لتقديرات عام 2020.

وقد كانت معدلات الفقر في سورية مرتفعة نسبة لغيرها من دول العالم حتى قبل 2011، حيث تُشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ثُلث السكان على الأقل يعيشون على دخل يومي تحت خط الفقر. ومع تطور الأحداث ارتفعت نسب الفقر بشكل عالي للغاية، وقُدّر عدد السكان الذين يعيشون على أقل من 1.9 دولار يومياً بما يزيد عن 80% من سكان سورية مع نهاية عام 2019.

وقد ارتفعت الأسعار بشكل كبير نتيجة لتهاوي قيمة الليرة وانخفاض الدخل الحقيقي للأفراد السوريين مما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية. فعلى سبيل المثال، تضاعف سعر الخبز (السلعة الغذائية الرئيسية) في مناطق النظام بأكثر من عشرة أضعاف وفي مناطق المعارضة بأكثر من عشرين ضعفاً، وهو أمر يُمكن تعميمه على معظم السلع الرئيسية التي ارتفعت بالمتوسط حوالي عشرة أضعاف على أقل تقدير بين 2011 و2019، وهو ما ينسحب على الاتصالات والمواصلات، وإيجارات المنازل والألبسة.

معدلات البطالة البالغة قرابة 8% في سورية مطلع 2011 ارتفعت بشكل كبير نحو نسب تزيد عن 60%، وانخرط معظم السكان في سن العمل في وظائف حكومية أو شبه حكومية في مناطق النظام، وبوظائف تتعلق بإدارة أو حماية المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أو الخاضعة لسيطرة قسد، بينما حافظ عدد قليل جداً من السكان على أعمالهم في قطاع الزراعة، أو عاد إليه بعد انقطاع، في كل من درعا وريف حمص الشمالي منذ مطلع 2018، لتكون نسبة البطالة الأكبر في قطاع الصناعة والبناء، حيث أغلقت النسبة الأكبر من المصانع والورش أبوابها، وتراجعت أعمال البناء لتتحول إلى عمليات صيانة بسيطة بالكاد تدر أجراً.

اعتمدت حكومة النظام لتمويل مشترياتها الرئيسية على رجال الأعمال المحيطين بالسلطة، والذين أطلقت لهم اليد للحصول على امتيازات غير محدودة قبل عام 2011 وبعده، وشكل هؤلاء قوام عملية التمويل الرئيسية. كما استطاعت الحكومة الحصول على موارد من جوازات السفر وزيارات المغتربين؛ إضافة للضرائب والرسوم مقابل الخدمات التي تتمسك بتقديمها.

وحمل مطلع عام 2020 الكثير من الخلافات في صفوف طبقة رجال الأعمال الذين بدأت مواردهم تنخفض نتيجة استهلاكها من قبل النظام وضعف الموارد المتاحة أمامهم داخل سورية، حتى مع الميزة الاحتكارية التي تمتعوا بها بالتعاون مع السلطة، فطفى على السطح صراع مخلوف- الأسد بشكل واضح في النصف الأول من 2020.

منذ منتصف عام 2014 جرى الحديث عن ضرورة فرض قانون عقوبات رادع لنظام الأسد على خلفية الشهادة التي أدلى بها مصور منشق لُقِّبَ بـ”قيصر”، وقد أخذ القانون وقتاً طويلاً نسبياً ليتم اقراره في نهاية 2019، ومنذ الحديث عن توقيع القانون بدا أن الأمل راح يخبوا باتجاه تدفق أموال إعادة الإعمار التي عول عليها نظام الأسد لإعادة ترتيب وضع مؤسساته وترميم ما أكلته الحرب، ومع دخول القانون حيز التنفيذ منتصف 2020 بدا أن الاقتصاد السوري والوضع المعيشي ذاهب نحو مرحلة جديدة غير مسبوقة.

 

ثانياً: التطبيق العملي لقانون قيصر

مر على توقيع قانون قيصر قرابة عشرة أشهر (أواخر كانون الأول/ديسمبر 2019) وعلى دخوله حيز التنفيذ قرابة خمسة أشهر فعلياً (منتصف حزيران/يونيو 2020)، تم خلاله فرض عقوبات عل شخصيات وكيانات سورية وأجنبية ومحاصرة النظام السوري بشكل ملحوظ، ونستطيع أن نضع أبرز النقاط التي تم تطبيقها من قانون قيصر حتى اللحظة، كما يلي:

1) إجراءات عقابية بحق مؤسسات وأفراد سوريين

منذ دخول القانون حيز التنفيذ أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية عبر وزارة الخزينة والخارجية قوائم أدرجت فيها 75 شخصاً سورياً، على رأسهم بشار الأسد وزوجته وابنه الأكبر إضافة للمقربين منه من رجال أعمال وضباط، كما تم استهداف شركات وكيانات مرتبطة بهم بشكل رئيسي كالفرقة الرابعة وشركات مختلفة مرتبطة بكبار رجال الأعمال المستهدفين.

2) تشديد العقوبات على داعمي النظام السوري خاصة في لبنان والعراق 

وجاء هذا التشديد على خلفية ارتباطهم بإيران والنظام السوري، وكان آخر المستهدفين “نبيل قاووق” و”حسن البغدادي”، وهما من قيادات حزب الله، أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020 إضافة لوزيرين سابقين قبلهما بأيام، هما وزير الاشغال والنقل ووزير المالية اللبنانية السابقين. وفي العراق تم استهداف “مصرف البلاد” أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020.

وقد وصلت العقوبات في تشرين الثاني/نوفمبر لصهر الرئيس اللبناني ووزير خارجيته جبران باسيل على خلفية ارتباطه بحزب الله والنظام السوري(6).

3. تطبيق برامج إغلاق المعابر غير الشرعية مع سورية 

ضغطت الولايات المتحدة من أجل تحويل مراقبة وإغلاق هذه المعابر أولوية رئيسية لحكومتي لبنان(7) والعراق(8)، حيث تهدف هذه العملية ضربَ أكثر من عصفور بحجر واحد، فالولايات المتحدة الأمريكية التي تضغط بقوة لتنفيذ برامج ضبط الحدود تسعى لعزل إيران عن المنطقة وضبط تحركات حزب الله والنظام السوري وضمان فعالية العقوبات على كل من كياناتهم.

في هذا الإطار جرت حملة إعلامية كبيرة في كل من العراق ولبنان للتركيز على أهمية إغلاق هذه المعابر، وتم في غير مناسبة ضبط تهريب سلع استراتيجية كالوقود وغيرها(9).

4. التضييق على البواخر القادمة نحو سوريا والمحملة بالنفط

كشفت وثائق فنسن المسربة أن النفط يصل إلى النظام السوري عبر عملية لوجستية معقدة تتضمن تبديل السفن وإخفاء الوجهة وإدخال وسطاء متعددين قبل توجيهه نحو الوجهة الأخيرة(10).

5. تقديم مساعدات إنسانية

أعلنت الحكومة الأمريكية في أيلول/سبتمبر 2020 عن برنامج دعم إضافي بمبلغ 720 مليون دولار أمريكي موجه لسورية(11)، ولكن أثر هذه المساعدات ضئيل للغاية أمام حجم المعاناة التي يواجهها السوريون في مناطق النظام والمناطق الخارجة عن سيطرته.

هكذا يبدو أن الولايات المتحدة تُدرك أن التهرب من العقوبات في منطقة يتموضع فيها النظام وسط حلفائه سيكون من السهولة تحقيقه، لذا فإننا نستطيع أن نضع عنواناً للمرحلة السابقة التي سعت الولايات المتحدة الأمريكية لتطبيقها هو “عزل النظام السوري” عن طريق التنديد بالتهريب والمعابر غير الشرعية مع سوريا عبر شركائها في كل من لبنان والعراق، وكذلك الأردن الذي تعتبر حدوده مع سوريا الأكثر انضباطاً، وفرض إجراءات عقابية بحق كل من إيران وشركاء النظام في لبنان والعراق وتحفيز الحكومات الإقليمية على الابتعاد عن المحور الذي يعمل النظام السوري عبره.

ويبدو أن النظام السوري أدرك خطورة هذه الخطوة منذ اليوم الأول للتطبيق، فقد أكد وائل المقداد نائب وزير الخارجية السوري في 28 حزيران/يونيو 2020 إن “دول الجوار مستهدفة من قانون قيصر بقدر ما هي مستهدفة سورية ومن مصلحتها استمرار التنسيق مع سورية”(12)، كما صرّح السفير السوري في لبنان أواخر عام 2019 بأن سورية جاهزة لمد لبنان بالكهرباء، وحل أزمة الطاقة مقابل التنسيق والتعاون مع سورية(13)، وهي النقطة التي أعاد تأكيدها وزير الخارجية آنذاك وليد المعلم في آب/أغسطس 2020 عقب انفجار مرفأ بيروت(14). وكان مستشار الرئيس اللبناني “سليم جريصاتي قد قال بأن “التنسيق مع سورية لا يزال قائماً لتجاوز آثار قيصر”(15)، وأضاف بأنهم طرحوا على الجانب الأردني مسألة عبور الشاحنات اللبنانية عبر سورية.

 

ثالثاً: الآثار التي نجمت عن تطبيق قانون قيصر 

مع مطلع شهر تشرين الثاني – نوفمبر 2020، يبدو الوضع الاقتصادي في سورية كارثياً، حيث باتت الظروف المعيشية أصعب من أي وقت مضى في عموم سورية، ونستطيع في هذا الجانب أن نضع المعالم الرئيسية للمشهد الاقتصادي | المعيشي السوري وفق النقاط الآتية:

1) الليرة السورية

وصل سعر الليرة السورية في السوق السوداء إلى قرابة 2500 ليرة سورية لكل دولار، مما اضطر المصرف المركزي لرفع سعر تسليم الحوالات إلى 1256 ليرة لكل دولار(16). ويبدو أن المشكلة لن تقف عند هذه الحدود فالليرة خضعت لتذبذبات كبيرة واحتمالات في انخفاض سعرها في أي لحظة، لذا نجد أن الثقة بالليرة وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

وقد اتخذ النظام السوري خطوات مهمة ساعدت في ضبط جزئي للأسعار والمضاربة على الليرة، حيث شدد مطلع 2020 (قبل دخول قانون قيصر حيز التنفيذ) العقوبة على المتعاملين بغير الليرة السورية بما في ذلك التعامل بالذهب، حيث أقرت عقوبة الأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات مع عقوبة مالية(17)، كما شدّد العقوبة لكل من يُذيع أخباراً حول سعر الصرف بغير السعر الرسمي(18).

إلا أن القوانين الأهم في ضبط العملة كانت باتجاه منع عمليات بيع المركبات والعقارات إلا بالليرة السورية وبموجب فتح حساب بنكي لإتمام المعاملة(19).

وقد شهد سعر الليرة مقابل الدولار انخفاضاً كبيراً قبيل دخول قانون قيصر حيز التنفيذ مطلع حزيران/يونيو، حيث وصلت إلى أكثر من 3500 ليرة لكل دولار، لتسارع الأجهزة الأمنية بضبط الأسواق والتشديد على تطبيق المراسيم أعلاه والتأكيد على مكاتب الحوالات لتسليم المبالغ بالليرة السورية حصراً، لتعود الليرة وتستقر أدنى من 2000 ليرة لكل دولار.

ويبدو أنه في فترة ما قبل التطبيق تأثرت الليرة بفعل تخوف كبير من انهيار قيمتها عند تطبيق قانون قيصر، مما دفع عدداً كبيراً من الناس للتخلي عنها داخل وخارج مناطق النظام، بما في ذلك في الشمال السوري الذي بدأت فيه دعوات لتغير العملة والانتقال لعملات أكثر استقراراً.

2) الأسعار

ساهم انخفاض سعر الصرف وفقدان عدد كبير من السلع الرئيسية في رفع سعر هذه السلع، حيث نلاحظ ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار السلع الرئيسية. ففي الربع الأول من عام 2020 نجد أن البندورة والبطاطا كانت قرابة 400 ليرة سورية لكل كيلو منهما، بينما أصبح السعر قرابة 550 ليرة سورية مطلع حزيران/يونيو 2020، أما الدجاج فكان قرابة 1200 ليرة في الربع الأول، ليرتفع إلى حوالي 2000 ليرة سورية في حزيران-يونيو.

ومع دخول فصل الشتاء في سورية، رفعت الحكومة سعر المازوت المخصص للصناعيين إلى 625 ليرة سورية لكل لتر، مع الحفاظ على أسعار المازوت الخاص بالتدفئة عند 296 ليرة للتر، وهذه هي المرة الثانية التي يتم رفع السعر فيها، حيث تم رفعه سابقاً في 2017(20)، كما تم رفع سعر لتر البنزين (عالي الأوكتان) إلى 1050 بدلاً من 850 ليرة لكل لتر، وتم رفع النوع العادي من البنزين إلى 850 ليرة انطلاقاً من 450 ليرة.

وستفضي هذه الزيادات حتماً إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات الأساسية الأخرى، علماً أنه تم رفع سعر ربطة الخبز إلى 100 ليرة لكل ربطة انطلاقاً من 50 ليرة(21). ويبقى سعر 100 ليرة لكل ربطة هو سعر مدعوم وأخفض من أسعار الربطة في الشمال السوري التي وصلت إلى 400 ليرة سورية، ولكن هناك اختلاف في نوع الطحين المستخدم في كلتا المنطقتين، حيث تعتمد أفران الشمال على طحين أبيض نوع جيد، بينما تعتمد أفران مناطق النظام على مزيج بين طحين أبيض ونخالة، مما يجعلها أوفر نسبياً، ولكن في كلتا الحالتين يبقى السعر أقل من التكلفة.

3) التجارة الخارجية

كانت الحدود البرية أول ما خرج عن سيطرة النظام، ولذا فإن التجارة البرية أصبحت أقل من أي وقت سابق. واعتمدت الحركة على عمليات تهريب في معظم الأحيان، علماً أن تركيا أبقت المعابر التجارية مفتوحة وسمحت بتصدير بعض السلع الرئيسية لتركيا، كما سمحت بعمليات الاستيراد، كما حافظ لبنان على علاقات تجارية برية أكثر من أي بلد آخر مع مناطق النظام ولكن عمليات التهريب شهدت تطوراً نوعياً، فالحدود أصبحت مجرد خطوط على الخريطة بعد دخول حزب الله للمعارك في سورية.

وقد انخفضت الصادرات السورية الرسمية من 8.7 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 2.3 ملياراً عام 2012. وقد نتج هذا الانخفاض الملحوظ بالدرجة الأولى عن توقف الإنتاج في معظم المناطق السورية، ثم انخفضت إلى اقل من 720 مليون دولار في 2018(22). وهذا الانخفاض نتج عن عوامل متعددة تتعلق بتعطل سلاسل التوريد بما في ذلك تعطل شبكة الطرق الرئيسية وخروج أغلب المنافذ الحدودية البرية من يد النظام.

كما توقفت أجزاء واسعة من رؤوس الأموال عن العمل داخل سورية، وخرجت طاقات بشرية واسعة مهاجرة نحو الخارج. ويتوقع أن الصادرات لم تتجاوز 700 مليوناً في 2019(23). وتعتبر أغلب تركيبتها مواد زراعية؛ بما في ذلك الخضار والفواكه والكمون وزيت الزيتون والقطن، إضافة لبعض الأصناف المصنعة، خاصة الألبسة.

كما انخفضت الواردات من 17 مليار دولار في 2012 إلى أقل من 7 ملياراً في 2018(24)، ولا يتوقع أن هذه الأرقام تعرضت لتغير جوهري بعد دخول قانون قيصر حيز التنفيذ، كون البلدان التي يتم الاستيراد منها هي في الغالب الصين وروسيا وإيران. أما السلع التي تُصدَّر فهي سلع غذائية رئيسية، وبقيم لا تتعدى بضعة ملايين دولار في العام الواحد لدول الخليج وبعض دول الجوار.

4) مصرف سورية المركزي

واجه النظام السوري في السنوات السابقة حزم عقوبات متعددة سبقت قانون قيصر، وكان أبرزها عقوبات الجامعة العربية والاتحاد الأوربي إضافة إلى كندا واستراليا والولايات المتحدة. وشملت هذه العقوبات منع سفر وتجميد أصول لكبار الشخصيات المشاركة في القمع ضد المتظاهرين، ولكن البند الأبرز والذي يتوقع أنه أثر على التجارة الخارجية كان منع التعامل مع “البنك المركزي” السوري و”المصرف التجاري السوري” المملوك للحكومة.

أثّرت هذه العقوبات بشكل سلبي على قدرة المؤسسات العامة والخاصة على الاستيراد من الدول الأجنبية، حيث نستطيع أن نجد أن دول الاتحاد الأوربي كانت تمثل 25% من واردات سورية في 2010 ولكنها أصبحت قرابة 10% في عام 2018(25). ويتوقع أن هذه الحصة آخذة بالتراجع، خاصة بعد تطبيق قانون قيصر، حيث أصبحت المؤسسات الأوربية أكثر تحفظاً اتجاه المؤسسات السورية أينما كانت.

5) الاحتياطي النقدي

تعرض الاحتياطي النقدي السوري للانهيار بشكل كبير نتيجة لمحاولة الحكومة الدفاع عن سعر الليرة الآخذ بالانخفاض، ونتيجة أيضاً للاعتماد على هذا الاحتياطي في تمويل العمليات العسكرية عالية التكلفة، دون وجود مصدر متجدد لهذه الاحتياطات في حرب امتدت لقرابة عشر سنوات.

تشير الإحصاءات الرسمية في 2010 أن الاحتياطي النقدي السوري بلغ 21 مليار دولار(26)، ثم تعرض هذا الاحتياطي للتآكل، ليصرح رئيس وزراء الحكومة عماد خميس في جلسة مجلس الشعب نهاية 2019 أنهم يمتلكون صفر احتياطات(27).

وربما يأتي سياق حديث رئيس الحكومة في أن الأرقام انخفضت بشكل كبير لتقترب من الصفر، حيث يتوقع أن المركزي يمتلك بين نصف مليار إلى مليار دولار أميركي في خزينته مع نهاية عام 2019، وهي تأتي من بدلات جوازات السفر والبدلات النقدية على عمليات الدخول، ورسوم الإعفاءات العسكرية والرسوم التي تتقاضاها القنصليات لتثبيت الزواج والولادات والوفيات، وغير ذلك من تعاملات، إضافة إلى عمليات التحويل من الخارج التي ارتفعت بشكل كبير في الآونة الأخيرة. ولا يعتقد أن قانون قيصر أثر بشكل جوهري على هذه الأرقام المنخفضة أصلاً.

ولكن سلسلة العقوبات شملت عدم السماح بالاستفادة من القروض الدولية والتعامل مع مؤسسات الاقتراض أو حتى التبرعات النقدية، مما أضعف قدرة المؤسسات الحكومية على الحصول على تنويع مصادرها.

6) النظام المصرفي

تُمارس البنوك السورية أعمالاً بالحد الأدنى اللازم لبقائها، وقبل 2011 كانت البنوك الخاصة قد بدأت لتوها الدخول في السوق المصرفية السورية، حيث سيطر على السوق 6 بنوك حكومية لفترة طويلة، أكبرها كان ولا يزال “المصرف التجاري السوري”، والذي بلغت حصته 40% من أعمال السوق المصرفية السورية، وبلغت الودائع تحت الطلب لديه عام 2010 قرابة 273 مليار ليرة سورية، وارتفعت في عام 2018 إلى 874 ملياراً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف بقليل، ولكن سعر الصرف كان قد ارتفع بأكثر من ثمانية أضعاف وارتفعت الكتلة النقدية في الأسواق بالتالي.

العملات الأجنبية في عام 2010 كانت حوالي 550 مليون دولار أمريكي، لتنخفض إلى ما دون 322 مليوناً كودائع تحت الطلب، كما انخفضت الودائع الآجلة كذلك من 160 مليوناً إلى أقل من 73 مليون دولار(28).

وتعمل معظم البنوك الخاصة على زيادة رأس مالها من الأرباح عبر طرح أسهم مجانية بدلاً من توزيع الأرباح، في محاولة لمواكبة التضخم الحاصل في سعر الليرة، فعلى سبيل المثال رفع كل من “بنك البركة” و”بنك سورية الدولي الإسلامي” رأس ماليهما إلى 15 مليار ليرة عام 2019 عن طريق توزيع أسهم مجانية بدل الأرباح، فبنك البركة المؤسس عام 2007 برأس مال 3.25 مليار ليرة سوري كانت ودائع عملائه في 2010 حوالي 586 مليون ليرة سورية ( 12 مليون دولار بأسعار 2010)، ونمت هذه الودائع لتصل مع نهاية 2019 إلى 96 مليار ليرة سورية (80 مليون دولار بأسعار 2019) وهي زيادة كبيرة بالليرة السورية تدل على رواج التعاملات البنكية الداخلية بالليرة السورية(29)، أما “بنك سورية الدولي الإسلامي” فنمت الحسابات الجارية من 12 مليار ليرة سورية عام 2010 ( 240 مليون دولار) إلى حوالي 140 مليار ليرة سورية في عام 2019 (100 مليون دولار بأسعار 2019)(30).

وعلى الرغم من أن هذه البنوك استطاعت أن تُبقي أعمالها بالحد الأدنى في الداخل السوري، إلا أنها تواجه مشاكل حقيقية في إقامة تعاون دولي، حيث أن معظم البنوك الخاصة يشترك في عضويتها شخص أو أكثر ممن تطالهم العقوبات الأوربية أو الأميركية، مما يفقدها القدرة على العمل في الخارج لجهة الاقتراض والإقراض وجلب العملات الأجنبية أو تمويل عمليات استيراد بقيم كبيرة، لذا نجد أن التجار السوريين اعتمدوا بدرجة أكبر على بنوك لبنان التي أجرت -حتى تاريخ الأزمة المالية اللبنانية أواخر 2019- معظم المعاملات التجارية.

ويُعتقد أن التعاملات الأجنبية عبر لبنان انخفضت إلى الحدود الدنيا بعد انفجار مرفأ بيروت وتطبيق قانون قيصر، وأن البنوك العاملة في سورية لم تتمكن حتى الآن من تغطية الفجوة.

7) موازنة الدولة

شهدت الموازنة انخفاضاً واضحاً ليس فقط في قيمتها بل في فعاليتها، فالموازنة أحد أبرز الأدوات المالية لضبط السيولة وتفعيل الأسواق وتنشيط الاستثمارات إضافة لعملية التنمية، ولكن الموازنة السورية التي أخذت بالانخفاض مقومة بالعملة الأجنبية نجد أنها بدأت تعاني من عجوزات بلغت في موازنة 2020 إلى 35% من إجمالي الموارد، وفي موازنة عام 2021 حوالي 30% من إجمالي الموارد(31)، كما يظهر أن الأجهزة الحكومية ضغطت نفقاتها إلى أقل قدر ممكن وبدأت باستخدام كل أداة ممكنة لتمويل العجز بما في ذلك اللجوء لمصادر أموال موالين لها -قضية رامي مخلوف مثالاً- وإصدار سندات وشهادات إيداع مما يضغط على موجودات البنوك الضعيفة بالأصل.

8) الفقر

على أساس خط الفقر الدولي 1.9 دولار أميركي يومياً، فإنّ ما يقارب من 80% من السكان يقعون أدنى من هذا الخط(32) وهذه النسب قبل تطبيق قانون قيصر، وهي على أي حال نسبة ضخمة يُتوقع أنها تعرضت لزيادة إضافية مع انخفاض سعر الصرف وارتفاع أسعار مجمل السلع والخدمات.

9) إعادة الإعمار

مع مطلع 2020 بدت أعمال إعادة الإعمار أقرب من أي وقت أخر، وتعزّزت جهود الحكومة بشكل واضح في هذا الإطار، فالحرب التي وضعت أوزارها في معظم المناطق أفسحت المجال ومهدت لهذا النوع من الخدمات.

ويبدو أن قانون قيصر قد أربك الجهود التي تقوم بها الحكومة السورية، وتلك التي تقوم بها روسيا أيضاً، بل ألغى أي تحضيرات ممكنة لجهود إعادة الإعمار، حيث نص القانون بشكل واضح على أن المشاركة في جهود إعادة الإعمار تدخل في إطار العقوبات.

10) التكنولوجيا والتقنيات

يعدّ مشروع “الحكومة الإلكترونية السورية” و”مشروع البطاقة الذكية” أهم مشروعين في إطار التقنيات لدى الحكومة السورية.

ويعود مشروع الحكومة الإلكترونية إلى فترة وصول الأسد الابن للحكم، ويقوم على إجراء مشاريع أتمتة في مختلف المؤسسات الحكومية. وقد جرت مشاريع أرشفة إلكترونية للسجلات المدنية والعقارية والجمارك، ولكنها لا تزال تعاني من ضعف على مستوى الاتصال والوصول لهذه القواعد وغياب الكهرباء، وتعتمد المؤسسات الحكومية السورية على شركات ومبرمجين محليين، فعلى سبيل المثال تعتمد الجمارك ومؤسسة المصالح العقارية وهيئة الاستثمار السورية وكذلك وزارة الداخلية على “الشركة السورية لتكنولوجيا المعلومات” التي تأسست في عام 2011، وخضع مديرها د. بيان بيطار لعقوبات أوروبية في عام 2017. ولا تزال المؤسسة تحصد أكبر العقود في أتمتة المؤسسات، وتعتمد على تطبيقات إدارة قواعد بيانات أمريكية كأوراكل وغيرها.

أما مشروع “البطاقة الذكية” فمناط بشركة “تكامل” المُقربة من أسماء الأسد على خلفية وجود “مهند دباغ”، وهو ابن خالتها، كأحد الملاك الرئيسيين في الشركة. وقد بدأت “تكامل” فعلياً ببطاقات ذكية مخصصة لتوزيع المحروقات والخبز والمواد الرئيسية، كما تبيع أجهزة قارئة مع بطاقات وحلول متكاملة للبطاقات الإلكترونية.

ويعتبر المشروع هو الأحدث لدى الحكومة، والتي تعول عليه لحصر توزيع السلع الغذائية وضبط الموارد القادمة منها، ولكن المشروع يعاني من بطء في الاتصالات وانقطاع الكهرباء أغلب الأوقات، حيث استبدلت بعض أفران دمشق البطاقة الذكية بقطع خشبية “نقود الجيتون jeton” لتسيير أمورها بعد تعطل الخدمة لوقت طويل(33). ويتوقع أن الشركة تعتمد على تقنية صينية في معظم أعمالها.

11) المؤسسات الإنسانية

في مطلع تموز -يونيو 2020 اعترضت كل من روسيا والصين على مشروع إدخال المساعدات الإنسانية عبر معبري باب السلامة وباب الهوى (على الحدود التركية السورية) المقدم من بلجيكا وألمانيا، ثم جرى الاعتراض على تعديلين آخرين على المشروع، ليصار إلى اعتماد تمديد دخول المساعدات عبر معبر واحد هو باب الهوى على الحدود السورية التركية(34)، حيث ترغب روسيا بحصر المساعدات الإنسانية ووصولها بيد السلطة في دمشق، ويبدو أن دمشق وروسيا تمسكتا أكثر بهذا الإجراء بعد قانون قيصر، حيث أنهما باتتا تدركان أن القانون يستهدف تخفيض المركزية في مجال إيصال المساعدات الإنسانية.

 

12) الرواية الرسمية للأسد والمجتمع السوري

لاتزال الرواية الرسمية السورية تُركز في مختلف المناسبات على أن العقوبات الاقتصادية وقانون قيصر هما السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار وسوء الوضع المعيشي، ففي مطلع تشرين الثاني-نوفمبر 2020 صرّح وزير المالية في إطار نقاشه لموازنة عام 2021 أن رفع سعر المحروقات كان بسبب العقوبات(35)، كما يصرح الاقتصاديون الموالون للأسد أن قيصر هو السبب الرئيسي لتدهور المؤشرات الاقتصادية(36)، كما ربط وزير الخارجية السوري السابق وليد المعلم بين “خنق الشعب السوري وخنق جورج فلويد الأمريكي”(37).

وينسحب هذا التعاطي على الموقف الروسي، والذي يتبنى رواية النظام (38).

 

رابعاً: الوضع المعيشي والاقتصادي في مناطق سيطرة النظام

شهدت الليرة انخفاضاً ملحوظاً على خلفية التخوف من تطبيق قانون قيصر، فنلاحظ أن هناك ارتفاعاً أكثر من المعتاد في قيمة الدولار مقابل الليرة منذ مطلع أيار-مايو 2020، حيث ارتفع السعر من قرابة 1500 ليرة سورية لكل دولار إلى أكثر من 3500 ليرة سورية لكل دولار في الأسبوع الثاني من حزيران-يونيو، ثم عادت للاستقرار عند قرابة من 1800 ليرة أواخر الشهر نفسه.

ونلاحظ أن السعر المنطقي بناءً على العناصر الأخرى التي تدعو لهبوط الليرة السورية في حزيران-يونيو لن يكون أكبر من 2000 ليرة، لذا فإن الزيادة التي حققتها خلال شهر يتوقع أنها ناتجة عن تخوف من دخول قانون قيصر إلى التنفيذ (انظر الشكل رقم -1-).

الشكل رقم (1)



تتداخل مجموعة من الظروف في ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فهناك انخفاض قيمة العملة وغياب الجهاز الإنتاجي القادر على مواكبة الطلب، والتهريب وحصر السلع بيد أفراد أو مؤسسات، وخروج مناطق استراتيجية من يد النظام، وعمليات النقل، وما إلى ذلك من مسائل.
ولكن يبدو بشكل جوهري أن أسعار السلع ارتفعت في الربع الأخير من عام 2020 مقارنة بالربع الثاني من العام نفسه (انظر الشكل رقم -2-). وعلى الرغم من أن معظم السلع الرئيسية أو موادها الأولية كانت تُنتج محلياً قبل 2011، كالخبز والخضراوات والفواكه واللحوم ومختلف أنواع الغذاء، إضافة للوقود ومعظم أنواع الألبسة وكذلك جزء واسع من الأدوية الرئيسية، فإن خروج النفط والقمح وتعطل الزراعة في مناطق واسعة وتهريب الثروة الحيوانية من سورية أثر بشكل جوهري، إلا أننا نجد أن قدرة الحكومة ومؤسسات القطاع الخاص على تمويل مشترياتها أصبحت أضعف وأكبر كلفة في ظل فرض قانون العقوبات.


الشكل رقم (2)


كما يُتوقع أن أثر تطبيق قانون قيصر على التجارة الخارجية لا يُعدّ جوهرياً، حيث إن الصادرات والواردات منخفضة للحد الأدنى، فمن أصل 700 مليون دولار صادرات قد لا يتعدى أثر الانخفاض المتحقق نتيجة التحفظ على التجارة مع مؤسسات سورية أكثر من بضعة ملايين دولار، لأن معظم السلع التي يتم تصديرها غير مشمولة بالقانون من جهة، وتتم من جهة أخرى عبر منتجين محليين صغار الحجم وغير معروفين في المشهد الاقتصادي.
ويتوقع أن تقوم وزارة الخزانة الأمريكية بمراجعة أحد بنود القانون المتعلقة بالبنك المركزي، حيث نص القانون على أن يتم مراجعة أعمال مصرف سورية المركزي خلال 180 يوماً من فرض القانون، أي مع نهاية 2020 تقريباً، وبالتالي فإن الأسوأ لم يأتِ بعد بالنسبة للبنك المركزي السوري من قانون قيصر، فبموجب عقوبات أوربية، عربية وأمريكية سيكون مصرف سورية المركزي مصدر تهديد لأي مؤسسة تتعامل معه في العالم، ولن يتمكن المركزي وقتها من التعامل رسمياً حتى مع تلك المؤسسات في الصين وبعض الدول التي لا حرج بأن تتعامل معه في تمويل سلع غذائية أو دوائية، وحتى ذلك التاريخ -بداية عام 2021- وبناءً على نتيجة المراجعة التي يتوقع أن تأتي غالباً لصالح تصنيفه كمساعد للنظام السوري في عمليات غسيل أموال وتمويل الحرب، سيبقى المصرف المركزي قادراً على التعامل مع الدول -التي تقبل بالتعامل معه- بالحد الأدنى، وبالتالي فإن الاحتياطي النقدي المتآكل أصلاً لدى البنك المركزي لن يكون أمامه فرصة للنمو في السنوات القليلة المقبلة على أقل تقدير، وستصبح مسألة تأمين المبالغ المالية الأجنبية أحد المصاعب الرئيسية للمصرف المركزي.
ورغم تمسك الشركاء الأجانب بحصصهم في البنوك الخاصة العاملة في سورية كما هو الحال في بركة سورية، والبنك الدولي الإسلامي وغيرها؛ فإنه من الواضح أن ما تم حتى الآن من عقوبات لم ينعكس على فروعهم خارج سورية، ولكنه من غير الواضح إذا ما كان ذلك سيدوم إلى وقت طويل. وفي ظل أزمة كهذه يتوقع أن الخروج من السوق سيكون أسلم لهذه المؤسسات التي يتوقع أنها ستبيع حصصها في وقت ما في 2021 أو ما بعدها.
لكن تبقى قدرة الجهاز المصرفي السوري المساندة لأعمال مصرف سورية المركزي في حدود التعامل مع الحد الأدنى للخدمات المصرفية، دون أن تتوسع هذا بات واضحاً أكثر من أي وقت في ظل قيصر.
على صعيد الموازنة فإن انعكاساً كبيراً بدا على قدرة الحكومة في تحصيل الموارد ودعم السلع الرئيسية، لذا فإن موازنة 2021 التي أُعِدت بعد إقرار قانون قيصر أخذت بعين الاعتبار رفع الدعم جزئياً عن الخبز والمازوت الصناعي وسعر البنزين، ويتوقع أن المشاريع الاستثمارية التي أقرت في الموازنة لن يُنفذ منها إلا ما هو ضروري جداً لتقليل العجز.
هكذا فإنه لا أمل برفع الرواتب والأجور بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار الحاصل في سورية، لذا فإن نسبة الفقر ستستمر في الزيادة في الفترة المقبلةـ ولن تكون الحكومة قادرة على التأثير بأي حال من الأحوال، خاصة في ظل عدم قدرتها على جذب رؤوس أموال خارجية وتأمين فرص عمل معتبرة في القطاع الخاص الذي تعتبر رواتبه أفضل من رواتب الدولة نسبياً، حيث إن عمليات إعادة الإعمار بعد قانون قيصر باتت حديثاً من الماضي، ويبدو أنه سيتم رفع ما تم من مخططات على الأرفف لفترة طويلة.

 

خامساً: انعكاسات قانون قيصر على الوضع المعيشي والإنساني في شمال سوريا
بات الوضع المعيشي في شمال سورية أكثر تردياً في الربع الأخير من عام 2020، حيث أن انخفاض سعر صرف الليرة السورية أثر بشكل جوهري على أسعار السلع والخدمات، ورغم أن التعامل بالليرة التركية حسّن قليلاً من الأسعار لصالح انخفاضها بشكل ملحوظ، إلا أن الليرة التركية سرعان ما أخذت هي الأخرى تتعرض لأزمة تمثلت بانخفاض سعرها مقابل الدولار، وبالتالي انعكست على الأسعار، وهذا ما ظهر واضحاً في حالة ادلب وريف حلب، فسعر ربطة الخبز ارتفع من 300 ليرة سورية مطلع 2020 إلى أكثر من 750 ليرة سورية في شهر أيار-مايو ثم انخفضت قليلاً بعد تثبيته أمام سعر الليرة ليعود إلى 400 ليرة تقريباً، كذلك فإن الأرز ارتفع من 650 ليرة للكيلو مطلع 2020 وصل إلى 1600 ليرة في شهر أيار-مايو، واستقر في تشرين الثاني-نوفمبر عند 1500 ليرة تقريباً.
أما في حالة دير الزور والرقة (انظر الشكل رقم -3-) اللتان حافظتا على التعامل بالليرة فبقيت الأسعار ثابتة حتى أواخر شهر حزيران – يونيو ثم بدأت بالارتفاع بشكل واضح، حيث حافظت ربطة الخبز على سعر 200 ليرة حتى شهر تموز- يوليو، لتصل إلى 300 ليرة وتستقر عند قرابة 400 ليرة للربطة في تشرين الثاني-نوفمبر2020، وأما الأرز فمن 750 ليرة للكيلو مطلع 2020 إلى 2000 ليرة للكيلو في شهر أيار- مايو كونه سلعة مستوردة وتتأثر بسعر الصرف، ثم عاد ليستقر عند 1400 ليرة في تشرين الثاني-نوفمبر 2020. ولكننا نلاحظ أن أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء بقيت أرخص من غيرها حتى أواخر 2020، ويلاحظ في أسعار السلع المنتجة في دير الزور، الحسكة والرقة أن الأسعار حافظت على ثبات حتى مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2020، حيث يظهر أن زيادة كبيرة في الطلب طرأت لترتفع بشكل كبير مما يشير إلى أن مناطق النظام بدأت تعتمد عليها أكثر من أي وقت سابق.


الشكل رقم (3)


الشكل رقم (4)


استنتاجات
 بالمجمل نستطيع أن نُطلق على المرحلة التي بدأت بدخول قانون قيصر حيز التنفيذ منتصف حزيران – يونيو 2020 بأنها مرحلة إطباق العزلة على النظام السوري عن طريق إجراءات تشديد صارمة لإغلاق الحدود، بدا أنها آتت أكلها في كل من الأردن والعراق بشكل كبير، وبنسبة مرتفعة مع لبنان التي تعتبر الحديقة الخلفية للنظام السوري.
 كما تم وضع أو إعادة ذكر الشخصيات/الكيانات الرئيسية على لائحة العقوبات دون الغوص في تفاصيل رجال الأعمال أو الحكومة المتورطين بخدمة نظام الأسد وتقديم الدعم الرئيسي له داخل أو خارج سورية، كما لا يزال البنك المركزي السوري خارج العقوبات حتى الآن، ولكن قدرته على الحركة باتت أقل من أي وقت آخر، ويتوقع أن يواجه عقوبات أشد مع نهاية عام 2020.
 ولا يزال النظام السوري قادراً على عقد صفقات لشراء مواد البناء عبر لبنان(39) حتى بعد انفجار مرفأ بيروت، حيث يتم استيرادها عبر مرفأ طرابلس، والذي يتعامل معها باعتبارها مواد مشروعةـ كما يتمكن النظام السوري من الحصول على مواد رئيسية، وخاصة من الحبوب وكميات لا بأس بها من النفط والغاز، من خلال مناطق شرق سورية المسيطر عليها من قبل قوات سورية الديمقراطية (قسد)، والتي تخضع لرقابة أمريكية. وقد يعود هذا التساهل الأمريكي إلى عوامل عديدة، منها التفاوض الخلفي بين واشنطن ودمشق لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين لدى النظام، وتمكين الإدارة الذاتية من الحصول على موارد مالية ضرورية بالنسبة لها، في الوقت الذي يمكن استخدام هذه الورقة في أي وقت للضغط على النظام.
 كما يبدو أن المؤشرات الاقتصادية باتت في أسوأ ظروف ممكنة، ولكن قانون قيصر وكذلك العقوبات الأخرى لا تحتمل كل ما حصل، بل إننا نستطيع أن نلاحظ أن ظروف سورية المعيشية والاقتصادية قبل تطبيق قانون قيصر كانت متدنية للغاية مقارنة بأي وقت آخر.
 ويبدو أن قانون قيصر أعطى تأكيداً للمستثمرين ورجال الأعمال المترقبين في خارج وداخل سورية أن الوضع لن يتحسن في وقت قريب، وأثار مخاوف عموم المواطنين، مما أثر على سعر الليرة السورية قبيل تطبيق القانون، وأثر بشكل حيوي على منع تدفق استثمارات مرتقبة من دول أجنبية.
 المساعدات التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأمريكية للشعب السوري لم يكن لها أي أثر فعال في إنقاذ الظروف المتدنية في كل من مناطق النظام ومناطق المعارضة، ولا تزال فجوة الاحتياجات واسعة للغاية.
 يبدو كذلك أكثر من أي وقت سابق أن الحكومة السورية باتت غير قادرة على تأدية مهامها الوظيفية، وقد ظهر هذا الأمر بشكل واضح خلال أزمة الوقود وأزمة الخبز وأزمة الحرائق. كما أبرز مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2021 حجم الضعف المالي الذي تُعاني الحكومة منه. ولكن على جانب آخر يبدو أن بنية النظام ما تزال متماسكة، حيث يسعى النظام لتأمين الموارد اللازمة لمؤسساته الأساسية، ويعمل قدر الإمكان على إبعاد الأزمات عن المجتمعات الموالية له.

الهوامش
1-  تقديرات الباحث لعدد السكان بالاستناد إلى دراسات سابقة.
2- قاعدة بيانات البنك الدولي، إحصاءات عام 2019: https://data.worldbank.org/country/SY
3- بالاستناد إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء.
4- تقديرات الاسكوا، تقرير ثمان سنوات بعد الحرب، ص57:
https://publications.unescwa.org/projects/saw/sdgs/pdf/ar/Syria-at-war-Report-Arabic-Final.pdf
5-  تصريحات رئيس الحكومة السورية عماد خميس في جلسة مجلس الشعب أواخر 2019: https://bit.ly/3e0XAMe
6-  العقوبات على باسيل، نهاية حلم رئاسي، الحرة، تشرين الثاني – نوفمبر 2020: https://arbne.ws/3kfIHbg
7-  الجيش يكثف إجراءاته على الحدود في ظل دخول العقوبات حيز التنفيذ، المشارق، 25 -06-2020:
https://almashareq.com/ar/articles/cnmi_am/features/2020/06/25/feature-01
8-  الكاظمي يواصل: حماية المؤسسات والحدود في العراق، الغد، 21 -09-2020: https://bit.ly/38cCRVV
9-  تهريب وتبادل تجاري وملايين الدولارات، لبنان24، 15-07-2020: https://bit.ly/34WyJqV
10-  وثائق فنسن: شبكات مشبوهة مع سورية تؤدي لمقتل بحارة أتراك، دي دبل في الألمانية: https://bit.ly/2Iibmj7
كما ذكرت بعض المصادر التي لم يتسن لنا التأكد منها أن بواخر روسية ترافق حاملة نفط إيرانية إلى سورية، وتمثل هذا التضييق في أزمة خانقة للمحروقات في سورية، على اعتبار أن توريد النفط يدخل في إطار العقوبات التي ينص عليها قانون قيصر، ولكن خطوة إيصال النفط لسورية عبر مساعدة روسية ربما يجعل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في مواجهة من نوع ما في المستقبل، للمزيد راجع:
World War 3: Russian Navy escorts Iran tanker to Syria as risk of UK intervention mounts, Oct 22, 2020:
https://www.express.co.uk/news/world/1350790/world-war-3-news-Russia-military-Syria-Iran-oil-UK-royal-navy-ship-mediterranean-ont
11-  US aid, 29 Sep. 2020, https://www.usaid.gov/news-information/press-releases/09-24-2020-united-states-announces-more-720-million-additional-humanitarian-syria
12-  المقداد لـ”الوطن”: الدول المجاورة مستهدفة بـ “قانون قيصر” بمقدار ما هي سورية مستهدفة، الوطن السورية، حزيران – يونيو 2020: https://bit.ly/3eEG69L
13-  السفير السوري، جاهزون لمد لبنان بالكهرباء، أكتوبر 2019:
https://akhbarelyom.com/news/newdetails/2928655/0
14-  وليد المعلم يعزي وزير خارجية لبنان ويبدي استعداد بلاده للمساعدة: https://bit.ly/2IlsqnP
15-  مستشار الرئيس اللبناني، التنسيق لايزال قائم مع سورية، صحيفة الوطن السورية، 10 تموز – يونيو 2020:  https://bit.ly/2JPgmMC
16-  نشرة الأسعار لمصرف سورية المركزي، موقع المصرف المركزي على الانترنت: CB.gov.sy
17-  المرسوم رقم 3، الصادر في 18 كانون الثاني – يناير 2020: https://bit.ly/2I1BLlj
18-  المرسوم رقم 4، الصادر في 18 كانون الثاني- يناير 2020: https://bit.ly/3eydajS
19-  القانون رقم 5 للعام 2020 الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء: https://bit.ly/351ZaLM
20-  رفع المازوت والفيول، عنب بلدي، 30-09-2017: https://bit.ly/360JKYS
21-  رفع سعر الربطة إلى 100 ليرة، سيريانديز، 29-10-2020:
http://www.syriandays.com/index.php?page=show_det&id=63924
22-  المجموعة الإحصائية السورية وبيانات الجمارك السورية.
23-  تقديرات الباحث بناءً على دراسات سابقة
24-  المجموعة الإحصائية السورية وبيانات الجمارك السورية.
25-  سوريا بعد ثمان سنوات من الحرب، الاسكوا، 2020، ص57: https://bit.ly/3n0LMxH
26-  سمعت هذا الرقم مرات متعددة من مسؤولين في الحكومة السورية عام 2010، وكذلك كان الرقم يتم ترديده من قبل الأساتذة في كلية الاقتصاد عام 2010، ويمكن كذلك مراجعة أرقام قريبة وردت في أكثر من مصدر كمقال للعربي الجديد، اعتماداً على تقديرات خبراء الاقتصاد:https://bit.ly/2Ih0SjT
27-رئيس الحكومة السورية: المركزي صرف الاحتياطي، الشرق الأوسط، 16 كانون الثاني – ديسمبر 2020:https://bit.ly/3e0XAMe
28-  التقارير السنوية للبنك التجاري السوري.
29-  التقارير السنوية لبنك البركة – سورية.
30-  التقارير السنوية لبنك سورية الإسلامي –الدولي.
31- راجع تحت المجهر: ملاحظات على مناقشة مجلس الشعب لمشروع الموازنة السورية، مركز جسور للدراسات:https://bit.ly/3lbl1X0
32-  Review: Note on Poverty issue in Arab countries, Khalid Abu Ismail, UN:
https://www.un.org/development/desa/dspd/wp-content/uploads/sites/22/2020/03/Abu-Ismail-paper.pdf
33-  غباء البطاقة الذكية، سورية اليوم، 25 أيلول- سبتمبر 2020: https://bit.ly/3p80jcN
34-  الأمم المتحدة، تموز – يونيو 2020: https://news.un.org/ar/story/2020/07/1058111
35-  وزير المالية يصرح عن سبب العجز في الاقتصاد، بالميرا نيوز، تشرين الثاني- نوفمبر 2020:
https://bit.ly/3n3FKfS
36-انخفاض الاستيراد بسبب قيصر، عابد فضلية، جريدة الوطن، تشرين أول – أكتوبر 2020:
https://wp.me/pa98yp-Hdu
37- سورية تتهم أميركا بخنق الشعب السوري كما خنقت فلويد، رؤى سويسرا:https://bit.ly/3k8unl3
38-  لافروف: قيصر أضر السوريين، الوطن، أيلول – سبتمبر 2020:https://wp.me/pa98yp-FJd
39-  هل من تحايل على العقوبات عبر لبنان؟، القدس العربي، أكتوبر – تشرين أول 2020:https://bit.ly/32skRmz

للحصول على نسخة الكترونية حمل الملف