#########

العدالة والمساءلة

الحرب السورية: داخل عالم زعيم “هيئة تحرير الشام” أبو محمد الجولاني


بعد سنوات من التكهنات والمناقشات، يمكننا الآن تتبع جذور أيديولوجية الجولاني الجهادية.

26 / حزيران / يونيو / 2021


الحرب السورية: داخل عالم زعيم “هيئة تحرير الشام” أبو محمد الجولاني

*مع العدالة | ترجمات: أحمد بغدادي

المصدر: Middle East Eye

لم تعد هوية زعيم هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، سراً. في العام الماضي، كشف أبو محمد الجولاني عن اسمه الحقيقي، وفي مقابلة أجريت معه مؤخراً على فرونت لاين_FRONTLINE، تعمّق أكثر في خلفيته العائلية.

بعد سنوات من التكهنات والنقاش، وبدعم من أبحاثنا ومقابلاتنا المكثفة، يمكننا الآن تتبع كيف شكلت تربيته الاجتماعية والسياق الاجتماعي والسياسي الأوسع أيديولوجيته الجهادية.

كانت الشخصية الكاريزمية للجولاني، التي يمكن أن تؤثر على التنسيق الأمريكي التركي في سوريا من خلال لعب دور رئيسي في تقرير مصير إدلب، آلية أساسية للتغيير داخل جبهة النصرة وبالتالي هيئة تحرير الشام.

وعلى الرغم من أهميتها في فهم بعض جوانب الجهادية السورية، إلا أن نظرية الحرمان النسبي، التي تقول إن الفوارق الاقتصادية يمكن أن تكون عاملاً رئيسياً في التمرد والتطرف، لا تفسر كيف تم دفع الجولاني إلى قمة التنظيم الجهادي الأكثر نفوذاً في سوريا.



ولد الجولاني أحمد حسين الشرع في الرياض عام 1982، وبينما كان والده ينحدر من خلفية فلاحية، فقد ولد هو نفسه في عائلة من الطبقة المتوسطة الحضرية.

  • قضى طفولته المبكرة وسنوات مراهقته في منطقة ثرية في دمشق، حيث لم يتم سجنه أو تعذيبه من قبل النظام السوري – وهي تطورات تميل إلى توليد الرغبة في الانتقام بين الجهاديين. هذا لا يتناسب مع نظرية التطرف النابعة من التوتر السياسي أو قمع الدولة.

تاريخ العائلة

والد الجولاني، حسين الشرع، وهو خبير اقتصادي ولد في 1946 في مرتفعات الجولان، ومع تزايد النزعة العربية بعد الانقلابات البعثية الناجحة في العراق وسوريا، غادر بلاده لدراسة الاقتصاد في جامعة بغداد. عاد إلى سوريا في أوائل السبعينيات، بالتزامن مع ما يسمى بالحركة التصحيحية، الانقلاب الذي أوصلت حافظ الأسد إلى السلطة.

بدأ والد الجولاني حياته المهنية كموظف حكومي في وزارة النفط، وعمل في المجلس المحلي لمحافظة القنيطرة من عام 1972 إلى عام 1976، وفقاً لبحثنا. لكن مع تزايد العداء بين النظامين البعثيين في سوريا والعراق، أدى تعاطفه السياسي والأيديولوجي مع النظام العراقي في النهاية إلى الابتعاد عن سوريا، ليستقر في المملكة العربية السعودية، حيث عمل في صناعة النفط.

يبدو أن معظم وقته في المملكة العربية السعودية قد تم تكريسه للبحث، لا سيما حول كيفية تسخير عائدات الموارد الطبيعية لتعزيز التنمية في العالم العربي. ركز كتابه الأول، النفط والتنمية الشاملة في العالم العربي (1983)، على كيف يمكن للفائض المالي العربي أن يلعب دوراً حيوياً في دمج البلدان العربية في الاقتصاد العالمي مع الحفاظ على التنمية الشاملة، لا سيما في القطاع العسكري.

وقد قام كتابه الثاني “التقييم الاقتصادي ومستقبل التنمية في المملكة العربية السعودية” (1983) باستكشاف كيف يمكن لاقتصاد النفط أن يكون محركاً موثوقاً للنمو الشامل في العالم العربي. وركز كتاب ثالث بعنوان “الاقتصاد السعودي في عملية البنية التحتية الأساسية وبناء القدرات” (1984) على دمج قطاعات النفط والقطاعات الأخرى، لا سيما الصناعة والزراعة، في تعزيز القطاعات الحيوية مثل التعليم والبناء والنقل. ونشر في عام 1987 كتاب رابع بعنوان “أوبك 1960-1985: التحولات الكبرى والتحديات المستمرة“.

بعد عودته إلى سوريا في أواخر الثمانينيات، عيّن حسين الشرع مستشاراً في وزارة النفط لرئيس الوزراء آنذاك محمود الزعبي. وفي الوقت الذي كان الزعبي يخطط لتنشيط الاقتصاد السوري المشلول لزيادة عائدات النفط والموارد الطبيعية إلى أقصى حد، أفادت التقارير أنه أقنع الشرع بالعودة إلى القطاع العام ومساعدته على وضع هذه الخطة موضع التنفيذ. ولكن وفقاً للمقابلات التي أجريناها، انتهى الأمر بوالد الجولاني ضحية للظلم الإداري بعد أن رفض التوقيع على معاملات اقتصادية غير قانونية طلبها كبار مسؤولي النظام.

وفي وقت لاحق، افتتحت الشرع شركة وساطة عقارية، كما كسبت العائلة دخلاً موازياً من “سوبر ماركت” يديره أشقاء الجولاني. كانت هذه البيئة المنزلية الحضرية المكتفية بشكل ذاتي اقتصادياً، هي المكان الذي نشأ فيه الجولاني، أصغر الأولاد. وكان الاضطراب النفسي الوحيد في هذه الطفولة الهادئة خلاف ذلك هو نعته بصفة_ نازح _ (المشرد)، التي تبعت الأسرة في كل مكان – وهو تذكير دائم بجذورها في الجولان.

تولي دراسات الأمن و”مكافحة الإرهاب” الكلاسيكية أهمية كبيرة للعوامل النفسية الفردية كمحرك دافع للتطرف. وهذا يشمل “سيكولوجية النرجسية“، التي تتقاطع عادة مع مشاعر الاغتراب السياسي. وقد يساعدنا ذلك على تحليل شخصية الجولاني وتحولاتها المختلفة، قبل وبعد تبنيه الفكر الجهادي.


الجولاني يتحدث في مؤتمر صحفي في إدلب، سوريا، خلال عام 2019 (وكالة الصحافة الفرنسية/هيئة تحرير الشام)

وفقاً لزميله في المدرسة الابتدائية التي التحق بها الجولاني في حي المزة بدمشق، كان أحمد الشرع فتى هزيلاً ومرتباً. كان ذكياً بشكل يفضي إلى سعة حيلته، لكنه انطوائي اجتماعياً. مع عمل والده كمستشار لرئيس الوزراء وعمل والدته كمدرسة، كان من المتوقع أن يكون مهذباً ومنضبطاً – لتقديم أفضل صورة ممكنة عن عائلته.
يشير بحثنا إلى أنه منذ سن مبكرة، طور الجولاني إحساساً بالاختلاف عن الآخرين. أفسحت طفولته المنضبطة الطريق تدريجياً إلى شخصية متمردة، مما تسبب في انخفاض درجاته في الدراسة. كما تبنى أنماط حياة جديدة: جذب مظهره الجميل انتباه العديد من الفتيات، قبل أن يقع في حب فتاة علوية (يعتبرها الجهاديون كافرة). أدى رفض العائلتين لقصة الحب تلك إلى نهايتها في وقت مبكر، مما أدّى إلى تعميق الصدع داخل عائلته في وقت كان الجولاني يبحث فيه عن هويته كفرد – الواقع الذي دفعه إلى التركيز على الانقسامات الطائفية داخل المجتمع.

آثار الحادي عشر من سبتمبر
كما هو الحال مع معظم أبناء جيله، كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من أحداث مؤثرة للغاية بالنسبة للجولاني، حيث استهداف الولايات المتحدة – أعظم قوة في العالم – على أراضيها يعتبر إنجازاً “استثنائياً” لأشخاص “استثنائيين” قرروا تغيير العالم. ونتيجة لهذا الإعجاب بمهاجمي 11 سبتمبر، بدأت أولى علامات الجهاد بالظهور في حياة الجولاني، فبدأ في حضور خطب سرية وحلقات نقاش في ضواحي دمشق المهمشة مثل حجيرة وسبينة ودروشا.

كان الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 قد منح الجولاني فرصةً كبيرة ليميز نفسه عن أترابه، حيث أثبت أنه من ذات طينة أسامة بن لادن، فأخذ يقلده في لباسه وحديثه. وكانت أيضاً فرصة لتمييز نفسه عن والده، الذي كان يحب  الكلام عن ذكرياته في العراق.


صورة تظهر قائد “جبهة تحرير الشام ” أبو محمد الجولاني و القيادي السابق في “الجبهة” أبو اليقظان_إنترنت

وبعبارة أخرى، كان على الابن أن يفعل ما لم يستطع والده القيام به. وقال إنه لن يكتفي بمشاهدة الأخبار وتحليل ما حدث من أخطاء كمراقب خارجي. قرر أن يكون في عين العاصفة – لتجاهل العروبة التي أمضى والده حياته كلها في الترويج لها كمواجهة لما اعتبره طائفية قومية مفلسة فكرياً. وباختصار، طور أيديولوجية مبسطة قادرة على تعبئة الجهاديين وغيرهم من الثائرين في زمن الحرب.

في عام 2003، وبدعم من الشبكات اللوجستية الجهادية في سوريا، انتقل الجولاني إلى العراق، حيث انضم إلى سرايا المجاهدين، وهي جماعة جهادية صغيرة ولكنها سيئة السمعة تنشط في مدينة الموصل الكبرى. أقسم سرايا المجاهدين الولاء “لأبي مصعب الزرقاوي” بعد أن أسس تنظيم القاعدة في العراق خلال عام 2004، والذي أصبح فيما بعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

تم القبض على الجولاني في وقت مبكر نسبياً، في أواخر عام 2004، وظل رهن الاحتجاز حتى الأشهر الأولى من عام 2010، مما منعه من تولي منصب قيادي. ولكن وفقاً لأبحاثنا ومقابلاتنا، كان بارعاً جداً في التكيف مع المجتمعات المحلية في العراق وتقاليدها ولهجاتها، لا سيما في الموصل. وهذا قد يفسر لماذا سجن في معسكر بوكا، وهو مركز احتجاز عسكري أمريكي سيئ السمعة بالقرب من أم قصر، العراق، على عكس الجهاديين الأجانب الآخرين. حتى أنه تمكن، وهو يحمل هوية عراقية مزورة، من إقناع لجنة التفتيش الأمريكية – التي تتكون من مقاولين عراقيين – بأنه مواطن عراقي.


الارتقاء في الرتب والمناصب

خلال احتجازه، أقام الجولاني علاقات وثيقة مع مختلف الجهاديين العراقيين الذين سيصبحون فيما بعد قادة أو قادة رئيسيين في تنظيم «الدولة الإسلامية». وبعد إطلاق سراحه، استفاد على نطاق واسع من هذه الصلات، فرتفع تدريجياً في صفوف تنظيم «الدولة الإسلامية» في انتظار اللحظة المناسبة لتحقيق هدفه على المدى الطويل.

في منتصف آذار/مارس 2011، بعد فترة ليست بالطويلة من إطلاق سراح الجولاني، اندلعت الثورة في سوريا. وقد أتاحت الانتفاضة السلمية في البداية، التي تحولت فيما بعد إلى نزاع مسلح، فرصة ذهبية للجولاني وأبي بكر البغدادي. وفي حين أن المشاركة في سوريا أتاحت الفرصة للجولاني كي يقفَ بعيداً عن الحشد وإثبات قدرته على إحداث فرق، إلا أنها مكنت البغدادي أيضاً من إحياء تنظيمه المتهالك والتوسع خارج المناطق المقفرة من الصحراء العراقية.


في هذا السياق أعلن الجولاني تشكيل جبهة النصرة في كانون الثاني/يناير 2012. وبموجب اتفاق مسبق بين الجولاني والبغدادي، حدث تشكيل جبهة النصرة دون الكشف عن علاقاتها التنظيمية مع داعش. لقد كانوا قلقين بشأن تكرار إخفاقات الماضي، وسعوا إلى تجنب الإدراج المبكر في القائمة السوداء من قبل الولايات المتحدة والقوى الأجنبية الأخرى.

وفي آب/أغسطس 2011، عبر الجولاني الحدود إلى سوريا، برفقة مجموعة صغيرة من الجهاديين العراقيين والسوريين. ويقال إنهم لم يجلبوا معهم سوى 60 بندقية آلية، كانوا يعتزمون إيصالها إلى خلايا جهادية نائمة في مختلف المحافظات السورية.

كانت هذه الصفحة الأولى من فصل طويل، لم يكتمل بعد، من النشاط الجهادي في سوريا، حيث أصبح الجولاني تدريجياً شخصية محورية، وإن كانت مثيرة للجدل.