#########

العدالة والمساءلة

انهيار اقتصاد سوريا: عنفٌ، والجاني مجهول؟


"أصبح التقشف عنوان العيش": تدهور الظروف والأحوال المعيشية نحو الأسوأ في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

04 / شباط / فبراير / 2023


انهيار اقتصاد سوريا: عنفٌ، والجاني مجهول؟

*مع العدالة: المصدر- المركز السوري للعدالة والمساءلة


وصلت الأزمة الاقتصادية إلى أسوأ مراحلها منذ اندلاع النزاع في سوريا، ويدفع المواطن السوري الثمن كالعادة. وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، هبطت قيمة الليرة السورية إلى مستويات غير مسبوقة مقابل الدولار الأمريكي، وأضحى أكثر من 90% من السوريينتحت خط الفقر عاجزين عن تأمين أساسيات الحياة والمواد الضرورية وسط دوامة من التضخم ونقص مشتقات الوقود.

لا تنبع مصاعب الاقتصاد السوري من تبعات الحرب المستعرة وحسب، بل ثمة مجموعة من العوامل المركبة التي تفاقم من تدهور الأوضاع ومنها الأزمات الاقتصادية في الجارتين تركيا ولبنان، والاعتماد على الوقود المستورد من إيران، أو الذي يتم تهريبه عبر الحدود مع لبنان، والعقوبات الدولية، والسياسات النقدية الضارة التي يعتمدها مصرف سوريا المركزي، والفساد المستشري، وتبعات الحرب في أوكرانيا، ونقص المحاصيل الزراعية محليًا، وغير ذلك من العوامل.

وحرص المركز السوري للعدالة والمساءلة على توثيق آثار الأزمة الاقتصادية على المواطنين في المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة الحكومة، وتركيا، وقوات سوريا الديمقراطية. وترسم المقابلات التي أُجريت بهذا الخصوص صورة قاتمة جدًا للأوضاع السائدة هناك.

  • “أصبح التقشف عنوان العيش”: تدهور الظروف والأحوال المعيشية نحو الأسوأ في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة

لم تَحُلِ الظروف القاسية وشظف العيش دون فرض الحكومة السورية لتدابير تقشفية لن تؤتي أكلها، وإنما ستزيد من هشاشة الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها المواطن السوري يوميًا. ويُظهر مشروع موازنة 2023المقدم من الرئيس بشار الأسد انخفاضًا في المخصصات بواقع 30% تقريباعقب تعديل الأرقام لاحتساب أثر التضخم. ويشمل ذلك خفض دعم المواد الأساسية مثل الطحين، والقمح، والزيوت بواقع 40% تقريبا بالقيمة الفعلية، وهو ما سيحرم ملايين السوريين من إمكانية تأمين أساسيات العيش.

وبالتوازي مع ذلك، رفعت الحكومة أسعار البنزين جراء اعتماد دمشق على النفط المستورد من إيران. وأدى تباطؤ وتيرة وصول شحنات النفط إلى ارتفاع تكلفة الوقود وشح الكميات المتوفرة منه على نطاق واسع. كما أثر انقطاع التيار الكهربائي على جميع مناحي الحياة تقريبًا، وأصبحت الكثير من الشوارع خالية من حركة السيارات، بينما أصبحت محطات الحافلات العمومية أكثر اكتظاظًا لا سيما وأن السكان أصبحوا غير قادرين على تأمين تكلفة شراء وقود لسياراتهم أو دراجاتهم النارية. وتفتقر المدارس للتدفئة شتاءً، وتعاني المشافي كثيرًا كي تحافظ على استمرار توافر التيار الكهربائي.

وبالنسبة للسوريين القاطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة ولا يقدرون على شراء الوقود، أصبح جمع الورق المقوى (الكرتون) والبلاستك، وغير ذلك من أشكال القمامة الأخرى وحرقُها للتدفئة الوسيلةَ الوحيدة للبقاء على قيد الحياة. ووصف أحد الذين اُجريت المقابلات معهم كيف لجأت “عائلات كثيرة إلى التدفئة بهذه الطريقة، والطهي على نار الأحذية القديمة التي يتم حرقها”. ويسبب استنشاق الغازات والأبخرة السامة المنبعثة من حرق مثل تلك المواد مشكلات صحية على الأجلين القصير والطويل، ولكن الرعاية الصحية غير متوفرة بشكل كبير أصلًا بعد أن دمرت 12سنة من النزاع نظام الرعاية الصحية في البلاد، علاوة على تزايد استهداف المرافق والمنشآت والطواقم الطبية كأحد الأساليب القتالية المعتمدة في هذه الحرب. وتفتقر الكثير من المشافي للأدوية والمعدات الضرورية، وتُضطر الصيدليات إلى بيع القليل الذي استطاعت أن تخزنه من مواد طبية بأسعار فلكية لا يقدر عليها سوى القلة.

وأوضح شخص آخر من الذين أُجريت مقابلات معهم أن أطفاله مرضوا ولم يتمكن من تأمين تكلفة زيارة الطبيب لأن الكشفية ستكلفه أكثر من ربع راتبه الشهري، ولأنه لا يستطيع أيضا أن يستأجر سيارة ويدفع ثمن البنزين لرحلتي الذهاب والعودة.

لفقر بكثرة

علاوة على شح الوقود، تحدث من أُجريت المقابلات معهم في مختلف المناطق عن اعتمادهم على أشكال أخرى من المساعدات الإغاثية، والتي تشمل المساعدات النقدية، وتبرعات عينية كالملابس، والسلال الغذائية، وهي طرود تحوي مواد غذائية أساسية كافية لإطعام عدد معين من الأفراد، ولكن تظل هذه الطرود أو السلال غير كافية لتلبية احتياجات الأسر بالكامل في عموم مناطق سوريا.

وبصرف النظر عن المنطقة، وسواء أكانت تحت سيطرة الحكومة، أو تركيا، أو قسد، أجمع من أُجريت المقابلات معهم على أن الفساد والرشوة يشكلان عائقًا أمام الحصول على السلال أو الطرود الغذائية. وحتى من يتمكن من الحصول عليها، فلا تكاد مكوناتها تكفي لتزويد صاحبها بالقيمة الغذائية لكامل الفترة الزمنية المحددة. وأما من يقيمون في الأرياف خارج مخيمات النازحين، فلا يعولون كثيرًا على موثوقية وصول المساعدة الإغاثية إليهم.

وتبرهن تلك الإفادات على أن السوريين يتعرضون لظروف وأحوال مجحفة وعنيفة بشكل يومي. ولا ينبغي للمواطن السوري العادي أن يستمر في دفع ثمن الظروف والأحوال التي خلقتها عوامل من قبيل السياسات الاقتصادية المعادية، والفساد، والحرب. وإنما يستحق السوري أن يعيش بكرامة، وأن يحصل على المأكل والمسكن وسبل كسب الرزق وأشكال الحماية.

العنف الاقتصادي: ما بين العدالة والعمل الإنساني

على النقيض من مفهوم العنف الجسدي، لا يتوفر فهم واضح لدور العدالة الانتقالية في التعامل مع مفهوم العنف الاقتصادي الذي يشمل انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والفساد، ونهب الموارد الوطنية. ولكن لا يعني ذلك أن الجناة المسؤولين عن الظروف التي يسودها العنف والتي يتعرض السوريون لها غير معروفين أو مجهولون، بل قد تكون تعاسة مقاساة تلك الظروف كتعاسة الصراع العنيف نفسه. ولعل التحرك الإنساني يظل الآن المورد الأكثر صلاحية من الناحية العملية لعله يساهم في تخفيف مصاعب الحياة اليومية للسوريين.

وينبغي للبلدان التي تفرض العقوبات حاليا أن تعيد ضبط تلك السياسات كي تأخذ في الحسبان شدة الأزمة الإنسانية، والبحث عن فرص تساهم في التخفيف من الآثار الجانبية غير المقصودة لتلك السياسات على المجتمعات السورية. كما ينبغي للمجتمع الدولي أن يقدم مساعدات إغاثية إلى سوريا على أن تخضع لرقابة صارمة، وأن يتفاوض على آلية إغاثية مع الحكومة السورية بوسعها أن تكفل وصول المساعدات إلى عموم مناطق البلاد.