بيانات وتقارير

ثقافة داعش: أطفال سوريا المهددون بالانفجار!


حين خرجت برفقة حسان شعرت بنظرات غريبة تصدر منه نحوي طوال فترة التجوّل، لكني لم آبه كثيراً لذلك ظنّاً مني أنه يستكشف المكان والناس، إلى أن جرّني من يدي بقوة وزجرني قائلاً: لماذا لم ترتدِ اللباس الشرعي وتغطّي وجهك؟

10 / أيار / مايو / 2019


ثقافة داعش: أطفال سوريا المهددون بالانفجار!

 

 

  *أحمد طلب الناصر- مع العدالة 

 

“بعد محاولتين فاشلتين تمكنت أنا وأمي وأخي “عامر” وأختي الصغرى “سارة” تجاوز أراضي “الدولة” في المحاولة الثالثة لنصل لاحقاً إلى ريف حلب، وبقينا ننتظر ونترقّب أخبار الحدود التركية و”الجندرمة” بعد أنباء استهداف المتسللين إلى الأراضي التركية عبر الخندق والشريط الفاصل بيننا. بقينا ننتظر ثلاثة أسابيع حتى استطاع المهرّب التسلل بنا ثم إيصالنا إلى مدينة /نزيب/ التركية”.

وقبل أن يتابع “علي” حديثه سرح بذاكرته مستحضراً ذلك اليوم، قبل سنتين من الزمان، فملأ رئتيه بشهيق عميق وكأنه أول نَفَسٍ لوليد جديد خرج إلى الحياة في تلك اللحظة.

نعم، كان هذا حال كل من كُتب له النجاح بالفرار من جحيم “دولة الخلافة” المزعومة. و”علي” ابن محافظة ديرالزور، الفتى الذي بلغ اليوم الخامسة عشرة من العمر، وأخواه اللذان يصغرانه سنّاً، إضافة إلى مئات الأطفال غيرهم ممن استطاعوا الفرار من هناك، هم من أولئك السوريين المحظوظين نسبياً.

فعندما يتحدثون عن تفاصيل حياتهم اليومية التي خاضوها في ظل سيطرة داعش على مدنهم، يشعر المستمع وكأنه أمام لوحة “غورنيكا” أو يتبادر إلى ذهنه كوميديا “دانتي” الإلهية بكل تناقضاتها.

 

 

  • ذاكرة داعش تهدد الاندماج:

من خلال متابعتنا تبيّن أن معظم الفارين إلى تركيا من الأطفال قبيل انهيار داعش قد قدموا برفقة أمهاتهم دون آبائهم، بسبب التشديد الذي مارسه التنظيم آنذاك داخل مناطق سيطرته على الرجال وتنقلاتهم مع أفراد أسرهم. وقد سُجّلت حالات عديدة لاعتقال الرجال وتصفية بعضهم بمجرد اكتشاف التنظيم نيّتهم بالهروب واللجوء إلى أراضي “الكفر” و”المرتدين” و”الإلحاد”، ما دفع العديد من الآباء إلى تأمين أفراد أسرهم قبل التفكير جدّياً باللحاق بهم سراً أو البقاء مكرهين داخل مناطق سيطرة التنظيم حفاظاً على حيواتهم.

توزّعَ الواصلون من الأسر في المخيمات وداخل المدن الحدودية، والبعض منهم توغّل نحو المدن الداخلية لتواجد أقارب ومعارف لهم. وبعد التمركز والاستقرار (النسبي) بدأت تطفو على السطح حالات التخبّط والنكوص، إن صح التعبير، لدى بعض الأطفال، وخاصة من كانت له تجارب سابقة في مراكز داعش الدعوية أو ممن تابعوا ما يجري في معسكرات تجنيد الفتية التابعة للتنظيم من خلال أصدقائهم أو المواقع الإلكترونية أو الأقراص المدمجة الموزّعة بكثرة بين الأطفال.
“أم حسان” واحدة من الأمهات اللائي دخلن برفقة طفليها (حسان 9 سنوات، وصفوان 7 سنوات) إلى مدينة أورفا التركية قبل ما يقرب عامين من الآن، وبالتحديد في منتصف العام 2017، بعد أن تركت زوجها في الداخل لتنقطع أخباره منذ ذلك الوقت، تصف أول يوم قضته خارج دارها المستأجرة بالقرب من ساحة “المدفع” بأورفا، حين توجهت برفقة ابنها “حسان” إلى (البازار) القريب لشراء الطعام وبعض الحاجيات، فتقول:
– حين خرجت برفقة حسان شعرت بنظرات غريبة تصدر منه نحوي طوال فترة التجوّل، لكني لم آبه كثيراً لذلك ظنّاً مني أنه يستكشف المكان والناس، إلى أن جرّني من يدي بقوة وزجرني قائلاً: لماذا لم ترتدِ اللباس الشرعي وتغطّي وجهك؟
تسمّرت في مكاني ولم أعرف بماذا أجيب، ثم تمالكت نفسي وقلت له بأني سأخبره حين نصل إلى المنزل، لكنه تابع حديثه: سيعاقبون أبي إن سمعوا بأنك خرجت بهذا الشكل أمام الغرباء!”.

ونزولاً عند رغبة ابنها، آثرت أم حسان عدم الخروج من المنزل إلا بعد ارتداء الجلباب الأسود الطويل الذي كانت ترتديه في مناطق التنظيم، والذي طوته بعد وصولها إلى تركيا، إضافة إلى غطاء الوجه.

 


  • “وجود أبيهم داخل أراضي داعش في ذلك الوقت هو ما جعلني أساير ابني ريثما يفتح الله عليه ويستطيع اللحاق بنا، عندها سيتولى هو توضيح الأمور له ولأخيه. لكننا فقدنا التواصل معه بعد وصولنا بثلاثة أيام. أخبرونا لاحقاً بأنه معتقل لدى داعش، واليوم لم يعد لداعش وجود هناك وكذلك اختفى زوجي.. أعدموه بالتأكيد”.

لم تتمكن أم حسان من تسجيل ولديها في المدرسة فور وصولهم إلا بعد أن حصلوا على بطاقات الحماية المؤقتة “الكيملك” لذلك قضى كل من حسان وأخيه الأصغر مدة ثلاثة أشهر داخل المنزل. وأهم الأنشطة التي كانا يقومان بها هي متابعة وترديد أناشيد مخزّنة داخل ذاكرة “الآيباد” الذي جلباه معهما من هناك. أناشيد بعبارات جهادية حماسية من إصدارات تنظيم الدولة، يرددانها أيضاً عن ظهر قلب، وأحياناً باللا وعي، وبأوقات مختلفة من اليوم، وقبل النوم.

أهم الأناشيد وأكثرها انتشاراً وتفاعلاً بين الأطفال كانت: سنخوض معاركنا معهم، وصليل الصوارم، وقريباً قريباً، بالإضافة إلى نشيد باللهجة العامية بعنوان “يا عاصب الراس وينك”.

حرص التنظيم على تمكين تعاليمه وأفكاره في عقول ونفوس الأطفال من خلال الكلمات المسجّلة وخاصة الأناشيد الملحّنة لسهولة حفظها وقوة وديمومة تأثيرها، وغالباً ما تكون مرفقة بمشاهد مؤثرة تحاكي ذهنية وميول الطفل التي غالباً ما تكون على استعداد لتقبّل ما يصل إليها بدون عناء. وهنا تكمن الخطورة في العمل على تصحيح المسار وإعادته إلى الاتجاه الصحيح، إذ فقد الأهل القدرة على التحكم بتربية أطفالهم وتوجيههم أثناء إقامتهم داخل مناطق التنظيم، بسبب التخوّف من وصول الأخبار إلى العناصر الأمنيين والشرعيين، فاستسلموا لرغبات أبنائهم، بل وشجعوهم في بعض الأحيان، لإبعاد الشبهات ونيل رضا جماعة التنظيم.

 

 

وبعد فرارهم صار الأهالي يعانون من صعوبةٍ بالغة في إعادة تهيئة أبنائهم بالصورة المطلوبة رغم تخلصهم من كابوس التنظيم وعيونه، وهذا ما أكدته أم حسان أيضاً حين صرّحت بالقول “مرّت على وجودنا هنا سنتان، ورغم اختلاف المكان والناس ما يزال الولدان يتابعان أخبار الحرب على داعش حتى حصارها الأخير في الباغوز!”.

تجربة أخرى يرويها لنا أحّد الآباء الذين تمكنوا من الفرار من الرقة أثناء سيطرة التنظيم، والعبور مع أسرته إلى تركيا بعد أن دفع الكثير من المال كرشوى لأحد مسؤولي التنظيم، يتذكّر كيف وصلوا إلى مدينة إسطنبول في صيف 2016، قبيل أيام معدودات من عيد الأضحى؛ فرغب بشراء ألبسة جديدة للعيد وتقديمها لأبنائه الأربعة. وبعد أن قدّم الألبسة فوجئ بأصغرهم (7 سنوات) يرفض ارتداء وقياس الملابس مطالباً والده بشراء الرداء الباكستاني المشابه لذلك الذي كان يرتديه في “دولة الخلافة”.

يقول الأب: “لم أشأ معارضة رغبته على الأقل ريثما يمضي الوقت ويصبح مستعداً لتقبّل التغيير، فسألت جاري السوري المقيم منذ مدة طويلة بإسطنبول عن أماكن لبيع تلك الألبسة فرافقني إلى سوق في منطقة “الفاتح” تنتشر فيه متاجر خاصة بالمتصوفة وجدنا فيها غايتنا”.

عندما جاء العيد، ارتدى الطفل “مخلف” رداءه الباكستاني وخرج برفقة إخوته إلى الشارع يرقبون أجواء العيد وحركة الناس. كان يتمشّى بينهم بهدوء وفجأة صار ينظر باتجاههم وهو يصيح بوجوه المارة: اتّق الله.. اتّق الله! مقلّداً بذلك عمّال “الحسبة” الذين كانوا ينتشرون في الأسواق ويراقبون ألبسة وتصرفات العباد ويقتادونهم إلى السجون في مناطق سيطرة التنظيم.

 

  • رواسب داعش “تتمدد” داخل سلوك الأطفال:

بالمقارنة مع أطفال المناطق الأخرى من سوريا، قاربت نسبة أطفال المنطقة الشرقية الذين قدموا إلى تركيا أثناء سيطرة داعش عليها الـ 5%، التحق معظمهم بالمدارس السورية الموزّعة داخل المدن التركية ومخيمات اللجوء. ومن بين أولئك الأطفال كان “علي” الذي ذكرناه في مقدمة موضوعنا.

التحق علي وأخواه بمدرسة تابعة لإحدى منظمات المجتمع المدني بمدينة غازي عينتاب، متأخرين قليلاً عن دوام بقية الطلاب. وبعد مرور أسبوع على دوامهم في تلك المدرسة اتصلت الإدارة بأم علي طالبة منها مراجعتهم لمسألة تتعلق بـ “عامر” الأخ الأوسط والذي يدرس في الصف الثالث.

حين جاءت أم علي إلى المدرسة دخلت معلمة الصف المشرفة على تعليم ابنها لتخبرها أنه لا يكف عن إيذاء زميلاته في الصف ويطلب منهنّ “التحجّب” بل ويرفض الدخول إلى الصف بسبب وجود البنات معهم، لكن المعلمة استطاعت السيطرة على الوضع وإقناع عامر بطريقة ما بأن الطالبات لا يزلن صغيرات، ووعدته بتنفيذ طلبه في المستقبل. أما السبب الرئيس الذي استدعى طلب الوالدة كان سلوك عامر الأخير تجاه زميل اختلف معه حول الجلوس في المقعد، حيث فوجئت المعلمة بعامر ممسكاً بمسطرة “البلاستيك” وهجم بها على رقبة زميله وهو يصيح: “والله لأذبحك..” وصار يمرر المسطرة بعنف وكأنه يحاول قطع رأس زميله.

وأمام صدمة الأم وانهيارها لم تستطع إلا وصف ما كان يحصل في مدينتها أمام الكبير والصغير على أيدي عناصر التنظيم:
-“كانوا يتقصّدون قطع الرؤوس على مرأى أطفالنا، وبعدها يرمونها في الشارع ليلعبوا بها بدل كرة القدم.. فماذا ترتجون منهم!”.

 

 

ما مررنا عليه ليس إلا جزءاً يسيراً ومكشوفاً من مسلسل طويل أبطاله الحقيقيون فتية ما زال قسم كبير منهم يعيش في دول التهجير أو مناطق النزوح داخل سوريا اليوم، ولم نستطع الوصول إليهم أو تحديد نسبهم الدقيقة. وأولئك هم أحوج ما يكونون اليوم إلى الكشف والمتابعة والإشراف على تعليمهم وتثقيفهم لانتشالهم أولاً من براثن الوحش الذي زرعته ورعته أسوأ تركيبة بشرية مرّت على تاريخنا المعاصر، وللحفاظ ثانياً على الأجيال السورية القادمة من مغبّة الوقوع في مستنقع التشدّد والإرهاب مستقبلاً في ظلّ الفوضى التي تشهدها البلاد. وإلا سنظلّ على موعد مع قنابل موقوتة لا تفتأ تنفجر عند كل حدثٍ يطرأ على الساحة السورية عقب التغيير المنشود.

 

المزيد للكاتب