#########

الضحايا

الأحداث ومحاكم الإرهاب


في عام 2012 نقلت قوات النظام الأحداث المتواجدين في سجن الأحداث في دير الزور إلى السجن المدني، ومنعت عنهم الزيارة حتى من ذويهم، ليتم فيما بعد ترحيل الكثير منهم إلى دمشق، وبدون أي ملفات أو قيود بحجة احتراقها في السجن، ليبقى العديد منهم مدة تتجاوز مدة حكمهم

27 / كانون أول / ديسمبر / 2018


الأحداث ومحاكم الإرهاب

 

 

*سائد الشخلها 

 

 

لا يخفى على أحد أن النظام السوري قام بجميع أنواع الانتهاكات بحق الشعب السوري خلال سني الثورة، ولكن هناك مآس كانت تحدث قبل ذلك ما جعل من تفجر الوضع يزيدها تعقيداً وفضاعة، لتصبح ملفات شائكة يصعب حلها، أو حتى تخيل وجود حل لها سوى التفكيك الكامل للنظام القضائي الحالي وإعادة هيكلته من جديد بما يتناسب والتطور الحديث للقوانين الدولية.

ويتقدم الملفات التي تم ذكرها سابقاً ملف الأحداث، والذي كان لوحده يحتاج ثورة لتصحيح الأخطاء التنفيذية والاجتماعية الناتجة عنه، وسيحتاج في المستقبل لعمل كثير لتفادي سلبياته ومحاولة تغييرها.

 

ذهب صدئ

صدر قانون “الأحداث الجانحين” بتاريخ 1953، واستمر تطبيقه حتى صدور “قانون الأحداث” رقم 18 لعام 1974، والذي تم فيه إدخال فئة الأحداث الذين أتموا الـ 15 ولم يتموا الـ 18، وعدم تسجيل الأحكام بحق الأحداث بالسجل العدلي، ووسع عدد محاكم الأحداث في المحافظات، وأوجد أجهزة لمراقبة سلوك الأحداث، وتشكيل غرفة للأحداث بمحكمة النقض. ثم عدل القانون عام 1979، حيث زاد من عدد محاكم الأحداث. والذي عدل بدوره بالمرسوم التشريعي رقم 52 لعام 2003، الذي رفع سن الملاحقة الجزائية للحدث من السابعة إلى العاشرة.

 

إن قانون الأحداث من حيث المبدأ قانون نزيه ولا تشوبه شائبة، بل كانت المعضلة تتركز في “مؤسسة السجون والتوقيف” والتي لم تطبق القوانين الخاصة بالأحداث، إذ اكتفت بتدبير إصلاحي واحد من بين عشرة تدابير قانونية تم النص عليها قانوناً وهو “وضع الحدث بمعهد إصلاح الأحداث”، لعدم قدرتها الفعلية على مراقبة التدابير البقية لما فيها من جهد وتطور آليات مستمرة، وبما أن هذا القطاع كغيره من قطاعات الدولة الأسدية يفتقر للنزاهة في التوظيف تحول خلال فترة قياسية لبؤرة لإنتاج مجرمين على كافة الأصعدة، وأصبحت هذه المعاهد مصانع للمرتزقة وتربية الفكر الاجرامي في عقول الأطفال، وهو ما شهد عليه الكثير من المحامين والناشطين، وأنا واحد منهم خلال فترة تطوعي البسيطة في سجن الأحداث في مدينة دير الزور، والذي كان يحتوي على نسبة كبيرة من التحرش الجنسي ،وكذلك استغلال الأحداث لتنفيذ مهام شخصية من قبل إدارة السجن.

 

سواسية

ومع انطلاق الثورة وبسبب عقلية النظام الأمنية، كان من المتوقع معاملة جميع المتظاهرين على حد سواء، ولكن الصدمة في الموضوع هو خروج القضاء السوري عن الدستور والقوانين الدولية المرعية في معاملة الفئات الأقل مثل النساء والأطفال والأحداث، والذين تحملوا أعباءً إضافية لا يمكن تصورها، فمعاملتهم معاملة البالغين والمجرمين كان له تأثير كبير على حياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية معاً.

ففي عام 2011 كانت أولى أخطاء النظام القضائي الجسيمة بحق الأحداث، وتحديداً في بلدة “قدسيا” الدمشقية والتي يقع فيها سجن الأحداث المسمى “معهد خالد بن الوليد”، والذي تأسس عام 1976، فبعد سيطرة الجيش الحر على معظم قدسيا وقتها، أصبحت قوات النظام متمركزة في هذا السجن متخذة من الأطفال دروعاً بشرية، ليعيش أطفال هذا السجن أكثر حالات الرعب المتواصل، والتي لم تنتهِ هنا، فعندما كانت الكفة العسكرية ترجح لكتائب الجيش الحر، عمد النظام وبقرار من مجلس القضاء الأعلى إلى نقل الأطفال من السجن إلى سجن عدرا للرجال، ليبدأ حينها الأطفال رحلة أخرى من الشقاء، إذ أمرت قيادة السجن وبحرص شديد على ألّا يختلطوا بموقوفي الأفرع الأمنية والمعتقلين السياسيين، لذلك تمّ توزيعهم لعنابر المخدرات وجرائم القتل، في نسف واضح لجميع الدساتير والقوانين والبروتوكولات الخاصة بالأحداث، وتهميش أكثر من واضح لدور محكمة الأحداث.

وفي عام 2012 نقلت قوات النظام الأحداث المتواجدين في سجن الأحداث في دير الزور إلى السجن المدني، ومنعت عنهم الزيارة حتى من ذويهم، ليتم فيما بعد ترحيل الكثير منهم إلى دمشق، وبدون أي ملفات أو قيود بحجة احتراقها في السجن، ليبقى العديد منهم مدة تتجاوز مدة حكمهم، وفي أفرع وسجون مخصصة للبالغين، ليصار إلى إخراج عدد منهم بصفقات تبادل مع الجيش الحر آنذاك.

 

ومع إنشاء محكمة الإرهاب عام 2012 -والتي فعلياً حلت محل جميع القضاء في سورية حتى القضاء العادي وبـ15 مادة مختصرة فقط- وحتى عام 2017 كانت المحكمة لا تميز بين الحدث والبالغ في أحكامها، ففي عام 2014 حكمت المحكمة على المحامي “قصي عبادي” وابنه “سيف” البالغ من العمر الـ 15 بالسجن لـ 10 سنوات بتهمة التواصل مع قناة الجزيرة وكذلك حكمت على 12 طفلاً من حمص جميعهم دون الـ18 بأحكام تتراوح بين 7 و15 سنة بتهمة نقل الدواء للإرهابيين؛ وكذلك أحمد ذو الـ 15 ربيعاً والذي أُقتيد من بيته أوائل عام 2012 لابتزاز أخوته المنتمين لفصائل الجيش الحر لتسليم أنفسهم، ليحكم بعد سنتين في محكمة الإرهاب بـ 3 سنوات بتهمة التستر على مكان إرهابيين، ويقضي سنته الثالثة في سجن عدرا كأي سجين بالغ.

أما عام 2017 تم إيكال مهمة الحكم على الأحداث للقاضي العاشر في محكمة الإرهاب، ليعود ويؤكد النظام مرة أخرى أنه لا يميز بين الثوار مهما كانت أعمارهم أو أجناسهم، بممارسات قضائية ترتقي لجرائم الحرب، فبعد أن حكم هذا القاضي على الحدث “محمد خمرة” 16 عاماً -والذي مُسك هو وأخوته وهم يفرون من المناطق المحاصرة في درعا-بـ 5 سنوات، سجن بتهمة الانتماء لجماعة إرهابية، قام برفع المدة لـ 15 عاماً ليصير حكم محمد موازي لحكم أخوته تماماً.

 

قواعد هافانا

رغم كون قانون الأحداث بمعظم مواده ينسجم مع المعايير الدولية الواردة في كل من: (قواعد بيجين) و(قواعد هافانا) و(مبادئ الرياض) إلا أن قانون الإرهاب يضرب بكل تلك المعايير عرض الحائط، فهذا القانون لا يحتوي في طياته أي أساس قانوني ولا دستوري.

والجدير بالذكر، أنه تم تسجيل أكثر من حالة لحكم بالإعدام طالت أحداثاً، ولا يعلم حتى الآن إن تم تنفيذ الأحكام فيهم أم لا، في مخالفة واضحة لـ “قواعد هافانا”، التي قررت عدم تطبيق حكم الإعدام على الأحداث مهما كانت جريمتهم، وانتهاك من قبل النظام السوري لمعاهدة قد وقع عليها مما يجعل قضايا هؤلاء الأحداث من اختصاص محكمة الجنايات الدولية، ولكن لم تُحرك للآن أي قضية بهذا الخصوص، وعلى الأغلب لن تحرك بالوقت الحالي لأسباب كثيرة، أهمها عدم وجود مستند قانوني يؤخذ به لقبول تلك القضايا، أو عدم وجود أدلة كافية لقبول الدعوى.

 

مع دخول الثورة لعامها الثامن، وتخطي عدد المعتقلين والمغيبين حاجز النصف مليون، وصدور مئات التقارير الدولية والمحلية حول الوضع في سورية، لم يتم إصدار أي تقرير خاص بالأحداث، ولا حتى إحصائية واحدة، ما يثير تساؤلاً جدياً حول تعمد المجتمع الدولي إغفال هذه المأساة، أم أنه انتبه ولكن لا يريد أن يزيد التقارير تقريراً جديداً.

ولكن حسب إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2017 إن أرقام المعتقلين فقط تفوق الـ 220 ألفاً، بينهم تسعة آلاف طفل دون سن الـ 18 دون تقسيم واضح للفئة العمرية، أو لأعداد الذكور والإناث في محاولة يائسة لعدم ترك ملف مهم كملف الأحداث أن يمر دون محاولة لاحتوائه ولو نسبياً.

وتطرقت الكثير من التقارير حول وضع الأطفال في معتقلات النظام، ولكن لم نر تقريراً واحداً حول الأطفال الموجودين في سجون الأسد الأساسية كـ “عدرا وصيدنايا وتدمر والبالوني” وغيرها الكثير، ومع أن هناك الكثير من اللجان الدولية قد دخلت لأكثر من سجن كلجنة “الصليب الأحمر الدولية” وغيرها، لكنها لم تذكر بتقاريرها تلك الحوادث سواء كانت فردية أم ممنهجة.

كانت قواعد المجتمع الأساسية هي المفصل الحساس الذي أراد النظام السوري ضربه لكسر الثورة والمجتمع وتشويه مستقبل جيل سوري كامل من خلال سحق “مراهقيه” وقتل قيم الأخلاق فيهم، وخلق جيل من القتلة، قساة القلب، غير منتمين لعائلة أو حي، خاصة بعد أن سجن من سجن منهم، وهجر من هجر، وقتل الباقي بمحاولة لقتل نهضة مجتمع ستجعل من هذا النظام تاريخاً أسود لا يحبذ أحداً تذكره ولو بعد حين.

 

المزيد للكاتب ⇐هنا 

.

.