#########

الضحايا

رحلة الشقاء المجهولة إلى فرع الموت “215”


لم أستطع العودة إلى مدينتي بسبب خوفي من انتشار الحواجز على الطرقات، وبسبب ما قام به النظام السوري من تشويه لسمعتي، بقيت لأيام في دمشق مقيمة في منزل صديقتي رويدة نفكر بمصيرنا بعد الخروج، خاصة وأننا في مناطق سيطرة النظام حيث لا ضمانات ولا معايير

20 / كانون أول / ديسمبر / 2018


رحلة الشقاء المجهولة إلى  فرع الموت “215”

 

 

*ياسمينا البنشي

 

الجزء السابع والأخير 

 

 

في فرع الأمن السياسي وضمن مهجع الرجال الذي تم إيداعنا فيه، تعرفت على السيدات التسع اللائي قدمن من الأفرع خارج سجن عدرا، وبعد حديث طويل مليء بالتساؤلات والتخمين عن مصيرنا، خلدن جميعهنّ إلى النوم؛ اتكأت على عامود موجود في منتصف المهجع، ورحت أتأمل جدرانه القاسية، فجأة لمحت أسماء محفورة على الحائط لشابين من مدينة اللاذقية، كانا قد اعتقلا في ذات اليوم الذي اعتقل فيه شقيقي أشرف في الشهر الخامس من العام ٢٠١٢ كتب بجانبهما تاريخاً محدداً, 28-7-2012 .

أصابني الذهول. ركضت باتجاه صديقتي رويدة التي لم تستطع النوم هي الأخرى، قلت لها “رويدة هذه الأسماء لأصدقاء أخي الذين اعتقلوا معه، من المحتمل أن شقيقي كان معهم” جلست أبكي إلى أن أرهقني البكاء لأصحو بعد دقائق من غفوتي على صوت رويدة وهي تنادي “ياسمينا انظري إنه اسم أشرف” كان الاسم محفوراً خلف تلة البطانيات التي قامت المعتقلات بتجميعها في مكان واحد خشية القمل الذي كان يعشش داخلها.

 

كانت المصادفة الأعظم بأن أمر على هذا الفرع وعلى مهجع الرجال تحديداً لأرى اسم شقيقي محفوراً على جدرانه، حمدت الله أنه نجا من الموت داخل فرع الأمن السياسي في اللاذقية، الفرع الأكثر استخداماً لفنون التعذيب في مدينتي.

 

أما المصادفة الثانية كانت مع معتقلتين (نازحتين من سكان دمشق) قادمتين من فرع فلسطين بعد اعتقال دام أكثر من تسعة أشهر، تبادلنا الحديث معهنّ أنا وصديقتي رويدة عن الأفرع التي مررنا بها، وأخبرتهن أن البداية كانت في فرع الأمن العسكري باللاذقية.. فسألتني إحداهنّ عن شابة صغيرة من مدينة درعا كانت قد اعتقلت ضمنه، تنفست الصعداء وقلت لها: نعم، كانت معتقلة معنا. وبعد أن حدثتني عن أحوالها قالت لي أن تلك الشابة أخبرتهن عن ندمها تجاه إحدى المعتقلات التي وشت عليها في فرع الأمن العسكري باللاذقية وتسبب بتحويلها إلى محكمة الإرهاب تدعى ياسمينا… هل تعرفينها؟ ردت رويدة بانفعال “هذه هي ياسمينا” وبكيت للمرة الثانية، كانت ليلة بمئة عام من هول مفاجأتها.

 

بعد أن قضينا يوماً كاملاً في فرع الأمن السياسي وفي العاشر من مارس ٢٠١٤ تم نقلنا ظهر اليوم في حافلتين من حافلات السجن ذاتها برفقة شابين معتقلين كانوا في سجن عدرا المركزي (رجال) بعد أن كان من المقرر خروج ٢٥٠ معتقلة، لم نكن ندري إلى أين وجهتنا. رافقنا ضباط برتب رفيعة من الفرع. مضينا ومضينا، مررنا على عدة حواجز حتى منتصف الليل، ووجدنا أنفسنا جميعا على الحدود اللبنانية في منطقة المصنع، توجه إلينا أحد ضباط الأمن السياسي (برتبة عقيد) وقال لنا “أنتم خرجتم بعفو ومسامحة من سيادة الرئيس بشار الأسد! ستنزلون الآن من حافلاتكم وستخيرون بالبقاء في لبنان، والأفضل أن تعدن جميعكن إلى دمشق” بلهجة تهديد.

نزلنا من الحافلات حوالي الساعة الواحدة ليلاً، وتجمعنا في حلقة ضيقة في الهواء الطلق بين جموع من الناس والصحفيين والإعلاميين، ثم ما لبثنا سوى دقائق قليلة حتى وصل عدد من السيارات فخمة من نوع همر تحمل ثلاث عشرة راهبة ومساعدين. دخلوا إلى قاعة كبيرة مغلقة، حينها علمنا أن خروجنا كان ضمن مبادلة راهبات معلولا، لم تمنعنا الجرأة الطلب من الضباط بالسماح لنا بالدخول إلى القاعة لنسلم على الراهبات، عندما دخلنا وتوجهنا نحوهن من بين عشرات الصحفيين أخذن يسألننا من أنتن، أخبرناهن بأننا المعتقلات، أخذت الراهبات تحمد الله على سلامتنا!!!

ضمن هذه الصفقة أيضا تم الإفراج عن سجى الدليمي وأبنائها (الزوجة السابقة لأبي بكر البغدادي) وهنا فهمنا أيضا لماذا خفض عدد المعتقلات المفرج عنهن.

 

عدنا إلى الحافلات وباتجاه نحو دمشق إلى أن وصلنا في الخامسة فجراً.

لم أستطع العودة إلى مدينتي بسبب خوفي من انتشار الحواجز على الطرقات، وبسبب ما قام به النظام السوري من تشويه لسمعتي، بقيت لأيام في دمشق مقيمة في منزل صديقتي رويدة نفكر بمصيرنا بعد الخروج، خاصة وأننا في مناطق سيطرة النظام حيث لا ضمانات ولا معايير.

بعد تصريح الراهبات بالمعاملة الجيدة من قبل الجهة التي اختطفتهن مقابل إطلاق سراح المعتقلات أحس النظام بحالة غبن بعد تلك المبادلة وأجبر الراهبات على إقامة جبرية داخل الدير. كنا قد اتفقنا فيما بيننا ألا تعود واحدة منا إلى مكان إقامتها الأصلي، بدأ النظام بالتواصل مع البعض منا بأن هناك تعويض مالي لأجلنا يجب أن نأتي لاستلامه من فرع أمن الدولة، هنا شعرنا بالخطر، أطفأنا جوالاتنا وفي أقل من أربع وعشرين ساعة كنا قد نسقنا سفرنا مع أحد السائقين الموثقين باتجاه إدلب.

وصلت مع رويدة وإيمان إلى قرية التح التي استقبلنا فيها أحد الضباط المنشقين، انتظرنا ثلاثة أيام بسبب القصف والمعارك في المنطقة حتى وصولنا إلى معبر باب الهوى.

كنت قد وضعت الحجاب على رأسي كي أستطيع المرور من هذا المعبر بحسب قوانين الفصيل المسؤول (أحرار الشام).

في البداية طلب العناصر جواز السفر، ووجدوا صورتي فيه غير محجبة ومن مواليد اللاذقية، وبداخل الجواز ورقة محكمة الإرهاب التي كان يتوجب علينا متابعة جلساتها، أصابهم الذهول، وظنوا أنني من الطائفة العلوية، استدعيت للتحقيق في مكتبهم من قبل الأمني المسؤول الملقب (أبو محمد الساحلي) وهو من عائلة اللبادي من مدينة اللاذقية معتقل سابق في زمن الأسد الأب بتهمة الانتماء إلى حزب الإخوان المسلمين. بدأ أبو محمد التواصل مع أشخاص يسألهم عني وعن عملي، منهم من تحدث عني خيراً ومنهم من ذمني دون أي سبب، هنا بدأ يوجه إلي تهمة التجسس لصالح النظام، إضافة لاتهامي بالتهم التي وجهها لي النظام السوري!!!

تم اعتقالي في غرفة داخل المبنى على المعبر، وتم إطلاق سراح صديقاتي باتجاه تركيا. كنت المعتقلة الأولى لدى ذلك الفصيل وكان أسلوب تحقيق أبو محمد اللبادي مشابه لأسلوب التحقيق داخل الأفرع، سباب وشتم وإهانة واتهامات بالأخلاق والشرف، كان يوجهها لي أثناء كل تحقيق. كان يستدعيني أحياناً في منتصف الليل، أو بعد أن أنام ليقوم بإذلالي وإضعافي، ويقول لي في كل مرة “لماذا سمح للنساء في هذه الثورة؟ ما خربها غيركن”!!!، كانت صديقتاي اللتان كنت أتواصل معهن سراً من خلال جوالي المخبأ في ثيابي الداخلية قد نشرتا خبر اعتقالي بين الناشطين في تركيا ليزداد الضغط على ذلك الفصيل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لكن دون فائدة.

 

ازدادت الضغوطات عليّ من جانب المحقق ثم أحضر لي محققا آخر، وأمرني بارتداء قميص سميك برأسي كي لا أراه، وبدأ بالصراخ وهو يقول “اعترفي بأنك عميلة للنظام فلا يمكن أن نخرج في مبادلاتنا نساء سافرات” هي ذات العبارة التي كان يوجهها لي محقق أحرار الشام الذي كان يطالب بنقلي إلى سجن الدانا، لم أخلع الحجاب عن رأسي طوال ١٤ يوماً مدة اعتقالي، ولم تكن المعاملة سيئة من قبل باقي العناصر التي خففت عني مصيبتي، إلى أن أعلن النظام السوري من خلاله قناته (سما) خبر مقتلي مقطوعة الرأس على يد أحرار الشام ونشرت بعض المواقع التابعة له صور لي مموهة الرأس والدماء تسيل منها وبالقرب أحد الرجال الذي يحمل سكيناً في يده.

في الصباح الباكر من يوم 14 نيسان 2014 قدِم أحد العناصر إلى الغرفة التي كنت محتجزة بداخلها وطلب مني أن أستعد للمحاكمة ثم السفر إلى تركيا. نزلنا إلى الطابق السفلي المليء بالغرف وبعض الزنزانات. مررنا بممشى طويل حتى وصلنا إلى قاعة كبيرة تعتبر المحكمة الشرعية لأحرار الشام. كانت المحكمة مؤلفة من قاضيين وكاتب، وكانت صديقتي رويدة أيضاً في انتظاري مع العديد من الإعلاميين. تحدثت للقاضيين عن عملي ونشاطي خلال الثورة، فأثنوا عليه خلافاً للمحقق الفظ. بعد الانتهاء من الاستجواب قررت المحكمة إطلاق سراحي مباشرةً.

كان لخبر مقتلي الذي تناقلته وسائل الإعلام على يد أحرار الشام دور كبير في تسريع محاكمتي وإعطائي حريتي مرة أخرى.

 

أسماء بعض المعتقلات اللواتي أفرج عنهم في مبادلة راهبات معلولا:

  • رويدة كنعان (وادي بردى)
  • ياسمينا بنشي (اللاذقية)
  • حورية عياش (دمشق الميدان)
  • رندة الحاج عواد (دير الزور)
  • زاهية عبد النبي (ريف دمشق الزبداني)
  • دلال الكردي (حمص)
  • مجدولين الباير (ريف دمشق)
  • آمنة خولاني (داريا)
  • نبال زيتون (السويداء)
  • جمانة شتيوي (نازحة مقيمة في دمشق)
  • هنادي الخولي دمشق القدم)
  • وخمس نساء من اللاذقية من عائلة واحدة

 

المزيد للكاتبة ⇐ هنا