#########

الضحايا

من “وحي شيطان داعش”.. فجيعة إعلاميي دير الزور


في الثالث من يونيو/ حزيران 2017، كرّم متحف "نيوزوم" للصحافة في العاصمة الأميركية واشنطن،أربعة صحفيين من الخمسة، وذلك خلال حفل سلط الضوء على المخاطر التي تهدد حرية التعبير والإعلام عبر العالم

26 / كانون أول / ديسمبر / 2018


من “وحي شيطان داعش”.. فجيعة إعلاميي دير الزور

 

*أحمد طلب الناصر 

 

رغم كل الويلات والكوارث التي مرّت بها مدينة دير الزور خلال سنيّ الثورة السورية، جراء المجازر المتكررة والدمار المتواصل وتهجير ونزوح أكثر من 70% من أهلها؛ لا نبالغ حين نقول بأن تصفية تنظيم “داعش” للإعلاميين الخمسة ضمن ما أطلق عليه (إصدار وحي الشيطان) كان الأكثر إيلاماً وقهراً على أبناء المدينة الثائرة.

 

خمسة إعلاميين من أوائل الثائرين ضد نظام الأسد وطغمته الحاكمة، تعرضوا لشتّى صنوف الملاحقات والاعتقالات الأمنية منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة؛ ورغم جبروت مخابراته وآلة حربه، فشل في اقتلاع خلية واحدة من خلايا أجسادهم. ولم يُجبرهم القصف والحصار والتجويع على ترك أحياء المدينة المحررة، فحملوا على عاتقهم مهمة تصدير رسالة المدينة المكلومة والمنسية إلى العالم الخارجي.

 

  • الإعلام في ظل داعش:

أول عمل قام به تنظيم “داعش”، بعد تسلّمه المدينة من إخوة المنهج “جبهة النصرة”، في أبريل/ نيسان 2015 كان التضييق على الإعلام والإعلاميين؛ إذ وضعوا العديد من الشروط والأحكام الواجب التقيد بها في حال أراد الإعلاميون الاستمرار في عملهم داخل “أراضي الخلافة”، والأحكام هي:

 1- الاعتراف بدولة الخلافة والمبايعة بيعة عوام لجميع الراغبين بالاستمرار في العمل.

2- الاعتراف بمصطلح “الدولة الإسلامية”، وكل تسمية أخرى تعتبر مرفوضة تماماً كتنظيم الدولة أو ما يسمى بالدولة أو “داعش”.

3- الامتناع عن التعامل مع القنوات المتلفزة بشكل قطعي، وعدم المشاركة بالمداخلات عليها.

4-يسمح بإعطاء الصور والأخبار العاجلة للوكالات بشكل فوري، أما التقارير المصورة ومقاطع الفيديو أو التقارير المكتوبة، فيجب إرسالها وأخذ موافقة المكتب الإعلامي عليها قبيل إرسالها.

 

أُرغم إعلاميو المحافظة، ومن بينهم (سامر عبود، مصطفى حاسة، سامي الرباح، محمود الحاج خضر، محمد العيسى) على الانصياع لأحكام وتشريعات “داعش”، أملاً في الاستمرار بعملهم الصحفي ونقل مأساة أبناء الدير إلى المجتمع الدولي مقابل ما يكفل لقمة العيش لأسرهم التي حرمها التنظيم، إلا لمن بايعهم من محترفي مهنة القتل والذبح وتفجير العربات المفخخة، وأغلبهم من الأطفال تحت سن الثامنة عشر.

راح الإعلاميون الخمسة يتابعون عملهم بهدوء وسرية تامّين، ناقلين أحوال وأوضاع المدنيين القابعين تحت قبضة حصار داعش، العسكري والاقتصادي و”الاجتماعي- الديني”، إلى أن جاء يوم الفجيعة..

 

  • إصدار “وحي الشيطان”.. وحي داعش:

صبيحة الخامس والعشرين من شهر يونيو/ حزيران 2016، بثّ تنظيم “داعش” فيديو جديدًا بعنوان “وحي الشيطان”، يُظهر إعدام خمسة إعلاميين في دير الزور، كانوا يعملون على تغطية ما يجري في مناطق سيطرة التنظيم. ويظهر في الفيديو ومدته 15:39 دقيقة، 5 طرق لتنفيذ حكم الإعدام بحق الإعلاميين الخمسة، بطرق مختلفة ومروّعة تتجاوز تخيّلات و (وحي الشيطان) ذاته.

 

وأشار التنظيم إلى أنّ الفيديو “رسالة واضحة لكل إعلامي يطعن في دولة الخلافة، ويتجسس لصالح المخابرات العالمية عامة، والأميركية على وجه الخصوص”، ويضيف “مهما كنت بعيداً وتظن أن جنود الخلافة لن يصلوا إليك، فاعلم أنك تعيش في وهم.. وستصلك سكاكين جند الخلافة إلى عقر دارك.. في أي مكان كنت في الشرق أو الغرب، ولن تنفعك دولارات أميركا”.

 

يقول “معاذ ناصر”، وهو أحد نشطاء المجتمع المدني الفارين من بطش التنظيم فور استيلائه على المدينة، والذي تربطه علاقة شخصية مع ضحايا الإعلام الخمسة: “موجةً من الحزن والألم والغضب اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعيّ التي امتلأت بصورهم وبمنشوراتٍ ترثيهم، وتجرّم وتهجو وتلعن قاتليهم، نظراً لما حمله هؤلاء الناشطون من أخلاقٍ ثورية، مع إجماعٍ على أن طرق الإعدام التي مورست ضدهم تكاد تكون هي الأبشع والأكثر شناعةً، في دير الزور على الأقل، منذ ظهور التنظيم”.

 

أول من يظهر في الفيديو هو سامر محمد عبود (33 عاماً)، مدير مكتب شبكة “تفاعل” التنموية، ويقول قبل إعدامه ذبحاً: “نعمل كشبكة متكاملة لتغطية القصف وأخبار الحرب والحالة الاجتماعية للمنطقة، ونقوم بنقل معلومات عن المعارك والمهاجرين”.

ويُعرف سامر بين الثوار في المحافظة بـ “أبو جعفر”. أظهره الشريط وهو يتجوّل بين الباعة يستفسر منهم عن أسعار المواد الغذائية. وقد عُرف بالتزامه الأخلاقيّ والدينيّ والثوريّ في أوساط العمل والثورة. درس هندسة الكومبيوتر في جامعة حلب واختصّ في هندسة الشبكات، وعمل مدرساً لتقنيات الحاسوب في معهد الرصافة للعلوم واللغات منذ 2007 وحتى بداية الثورة، فكان من أوائل الثائرين على النظام السوريّ، وأسهم في إغاثة العائلات النازحة، وأسّس، مع مجموعةٍ من الناشطين الإعلاميين، شبكة إذاعة دير الزور الحرّة الإعلامية في العام 2011، وعمل على تغطية المظاهرات وانتهاكات النظام في دير الزور، وأسهم في تغطية المعارك بعد عسكرة الثورة. كما عمل في المجلس المحليّ لمدينة دير الزور في العامين 2013-2014 كعضو مكتبٍ إداريٍّ ورئيساً لمكتب التنمية البشرية. أصرّ على البقاء في المدينة حتى بعد أن اعتقله التنظيم في مرّةٍ سابقةٍ لمدة ثلاثة عشر يوماً.

سامي جودت رباح (28 عاماً) يقول “كنتُ أعمل إعلاميًا قبل دخول “الدولة الإسلامية”، ثم قررنا العمل كإعلاميين مستقلين من أجل نقل الحقائق للناس”. وفي شريط الفيديو، يتبرّأ رباح من عمله، ويقول: “رسالتي للجواسيس ضد الدولة الإسلامية، أنتم تحاربون الله ورسوله”، ثم يُقيّد بأريكة داخل منزل ويتم تفجيرها به، لتتناثر أشلاؤه.

 

شارك سامي في الحراك الثوريّ منذ بدايته، واعتقل مرّتين لدى فروع الأمن. نزح مع أهله إلى الرقة مع بداية المعارك بين النظام والجيش الحرّ في تموز 2012، باعتباره أكبر أبناء العائلة، وعاد إلى دير الزور بعد تحرير مدينة الرقة في بداية عام 2013. وعمل كناشطٍ إغاثيٍّ في هيئة دير الزور الخيرية، ونشط بعد ذلك في المجال الإعلاميّ مبتدئاً العمل مع وكالة سمارت، ثم مراسلاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان. وحصل، بعد دخول تنظيم الدولة إلى المدينة، على بطاقة إعلاميٍّ مستقلٍّ ممنوحةٍ من “الأمير الإعلاميّ”، تتيح له إمكانية التصوير والعمل. 

 

الثالث هو محمود شعبان الحاج خضر، الذي كان مسؤولاً عن “إذاعة الآن FM”، بحسب قوله. ويظهر في الفيديو كيف يتم تقييد شعبان بباب حديدي، وُصل بالكهرباء، ليتم صعقه أمام الكاميرا بعد لفّ جنزير حديدي حول رقبته.

عمل محمود، أو “أبو شعبان” كما يلقّب، قبل انطلاق الثورة في شركة دير الزور للنفط، إضافةً إلى امتلاكه محلاً لرواد الإنترنت. شارك في الحراك السلميّ منذ بدايته، وبقي مطارداً من قبل فروع الأمن حتى عسكرة الثورة؛ وتعرّض للإصابة خمس مرّات، والتحق بصفوف الجيش الحرّ صيف 2012 إلى حين احتلال داعش لدير الزور صيف 2014.

محمد مروان العيسى، هو الرابع في الفيديو، ويعرّف عن نفسه أنه كان يعمل في “شبكة المناطق الرسمية، قبل دخول الدولة الإسلامية، للعمل كإعلامي فيها”، ويضيف “منذ بداية هذا العام، كنتُ أزوّد ياسر العيسى في موقع الجزيرة نت بالأخبار الاقتصادية، والقرارات الصادرة وأخبار القصف”. ويُظهر الفيديو لاحقاً إعدام العيسى نحراً بالسكين.

كان محمد، “أبو مروان”، موظفاً في دائرة الحراج التابعة لمديرية الزراعة؛ متزوّجاً ولديه ولدان، انضمّ إلى صفوف الثوار منذ بداية الحراك، شأنه شأن باقي عائلته التي خسرت قبل ذلك ابنها المسؤول عن هيئةٍ إغاثيةٍ مع طفلتيه. توجّه محمد، بعد سيطرة الجيش الحرّ على أجزاء من مدينة دير الزور في حزيران 2012، إلى العمل في المجال الإعلاميّ ضمن شبكة “الناطق” إلى حين سيطرة التنظيم، ليتوقف عن العمل، ويبقى في المدينة محاولاً تقديم المساعدات الخدمية وإغاثة الأهالي. 

 

الإعلامي الخامس كان مصطفى حاسة، الملقب بـ”ستيف”، ويعمل مراسلاً لشبكة “شام” الإخبارية؛ ويقول: “كنت أعمل إعلامياً في دير الزور منذ بداية الثورة، وبعد دخول الدولة الإسلامية تقرر العمل كإعلاميين مستقلين، ثم تواصلت معي منظمة “هيومن رايتس ووتش”، وقمت برصد المعلومات والتقاط بعض الصور وإرسالها إليهم”. تم تقييد “ستيف” في الشرفة الخارجية لمنزله وهو يحمل الكاميرا، ليتم قتله عبر ربط متفجرات في جسده.

ولد “ستيف”، كما يحب أصدقاؤه أن ينادوه، في مدينة الحسكة 1986. تخرّج في كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية بجامعة الفرات، وتطوّع أثناء دراسته في العديد من المنظمات والجمعيات الخيرية، كجمعية تنظيم الأسرة، وداعماً لجمعية النهضة النسائية ودار رعاية المسنّين بدير الزور؛ واتجه في بداية الثورة إلى العمل الإعلاميّ، فاهتمّ بالتصوير وكتابة التقارير باللغة الإنكليزية، وعمل مراسلاً لقناة دير الزور الفضائية وشبكة شام الإخبارية باسم “ستيف حاس”، وأسّس صفحة مرآة دير الزور. وحصل من تنظيم الدولة على بطاقة إعلامي مستقل بالشروط التي حدّدها التنظيم لعمل الإعلاميين من غير المبايعين له.

 

وفي الفيديو أيضاً، تظهر خلفية لصور الناشطَين “إبراهيم عبد القادر” وزميله “فارس حمادي”، الإعلاميَين في شبكة “الرقة تذبح بصمت”، الذي يغطي أخبار الرقة وممارسات “داعش” فيها، فيظهر صوت أحد عناصر “داعش” قائلاً: “أيها الإعلاميون المحاربون للإسلام ودولته، بألسنتكم وأقلامكم، اعلموا أنّ عملكم بالإعلام لا يعصم دماءكم، فكفّوا عن حربنا، وإلا فإنّ مصير أبواق الردة، والتي ذبحها جنود الخلافة بصمت، بسكين حاذقة، ومصير “زاهر الشرقاط”، الذي كتم جنود الخلافة أنفاسه، برصاصة في الرأس فالقة، سيكون هو مصيركم؛ ولا كرامة ولا عزاء، ولا تظنوا أنّ وجودكم في أوروبا سيحميكم، أو سيقيكم شظايا كواتمنا ولواصق عبواتنا، فمن صال وجال في قلب باريس وبروكسل، لن يهون عليه قطف رأس نجس أينما كان”.

وفي الثالث من يونيو/ حزيران 2017، كرّم متحف “نيوزوم” للصحافة في العاصمة الأميركية واشنطن،أربعة صحفيين من الخمسة، وذلك خلال حفل سلط الضوء على المخاطر التي تهدد حرية التعبير والإعلام عبر العالم. 

 

وبحسب ما ذكرت وكالة “فرانس برس” يومها، فإن الصحفيين السوريين الأربعة الذين قتلوا في سوريا وتم تكريمهم من قبل “نيوزوم” هم: “مصطفى حاسة” من شبكة شام الإخبارية، و”محمد مروان العيسى” من شبكة الناطق، و”سامر محمد عبود” من إذاعة دير الزور الحرة، و”سامي جودت رباح” من المرصد السوري لحقوق الإنسان.

 

المزيد للكاتب ⇐ هنا