الضحايا

شيار خليل: كنتُ رقماً في “فرع فلسطين”.. لا اسم لي في جمهورية الرعب !


كانت رائحة الدم تفوح من الزنازين، وكان المعتقلون مكدسين لدرجة أنهم كانوا ينامون فوق بعضهم البعض

26 / كانون الثاني / يناير / 2020


شيار خليل: كنتُ رقماً في “فرع فلسطين”.. لا اسم لي في جمهورية الرعب !
*مع العدالة

 

“اعترف” بعض زملائي تحت وطأة التعذيب، وكانت اعترافاتهم هذه هي أكثر ما آلمني، لأنها استخدمت ضدي!
  • شيار خليل صحافي سوري من مواليد عفرين 1985 تم اعتقاله من سوق ساروجة في دمشق بتاريخ 23 أبريل/نيسان 2013 من قبل عناصر فرع فلسطين التابع للمخابرات العسكرية. 

 

انهالوا علينا ضرباً وهم يشتمون كأننا مجموعة إرهابية، ودفعوا بنا إلى السيارة. لقد كنتُ مع 17 شخصاً من أصدقائي حينما حاصروا المكان، وكل مدخل في سوق ساروجة؛ نعم، انتشروا كالدبابير السامّة.. وقد عرفتُ أنهم قد جاؤوا لاعتقال صحفية، واثنين من زملائي، لكنهم قادونا جميعاً. وفي غرفة الاستجواب، وكان كل شخص على حدة، حينها علموا أنني ممنوع من السفر خارج البلاد بسبب عملي كصحفي، فازداد تعذيبي وضربي، وتعنيفي بشتى الطرق. 

 

 

لم يتركوا طريقة مهينة مع الضرب إلا واستخدموها لانتزاع الاعترافات مني؛ وذلك بعد أن اعترف أحد أصدقائي تحت التعذيب بأنني أعمل مع الصحفيّة المطلوبة، فأخذوا يسألونني إن كنت أعمل مع “قناة أورينت”، وهكذا، تحت الضغط، والضرب، اعترفتُ بأن عملي هو مع قناة “سكاي نيوز”، علاوة على نشاطي وعضويتي في مجموعة “سوريا للجميع”. 

 

ويضيف “خليل” حول التحقيق معه: لقد فقدتُ الوعي من الضرب، بعد التحقيق خلال اليوم الأول؛ حيث دام استجوابي تقريباً من الساعة الرابعة بعد الظهر حتى السادسة صباحاً، وهم يتفننون بضربي وتعذيبي؛ وقد قال لي المحقق من باب السخرية إن “الأخضر الإبراهيمي” (المبعوث السابق للأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سورية) موجودٌ معنا في المعتقل، وهنا، ذهلتُ، كوني كنتُ أتواصل معه، وأعمل على تزويده بكافة المعلومات التي أعرفها حول الانتهاكات التي يقوم بها النظام السوري وأجهزته الأمنية بحق السوريين. لكن، كان الأخضر الإبراهيمي عبارة عن أنبوب أخضر اللون، ويتجاوز طوله المترين تقريباً، يستخدمونه للضرب والتعذيب، وقد تم ضربي به، كما ذكرتُ لمدة ثلاث ساعات حتى فقدتُ الوعي من فرط التعذيب. 

 

“صورة للصحافي شيار خليل في برنامج ضيف ومسيرة على قناة فرانس 24 / FRANCE 24 Arabic”

 

وعن مجريات التحقيق بعد اليوم الأول من اعتقاله، يقول شيار:” أفرجوا عن أغلب الذين اعتقلوهم معي.. صباحاً، وبقينا ثمانية أشخاص، تم توزيعنا إلى زنازين تزدحم بالمعتقلين، بعد منحوا كل واحدٍ منّا رقماً عوضاً عن اسمه، وهي طريقة لانتزاع إنسانيتنا، وكان رقمي أنا هو (101)؛ حيث قالوا لي هناك:” انسَ اسمك، ولا تتكلم مع أي أحد..!”

 

الأمراض منتشرة في كل مكان داخل زنازين الفرع، ومنها “الغرغرينا، والجرب، وغيرها من أمراض معدية وقاتلة؛ ولقد كان الجلادون والسجانون، والحراس يغطون أنوفهم بخرق قماشية كلما فتحوا باب أي زنزانة، حيث الرائحة بشعة جداً ولا تطاق!

 


أما عن الموت داخل الفرع، بسبب التعذيب أو الأمراض المنتشرة، فحدّث ولا حرج؛ كل يوم كان يموت ما يقرب من خمسة إلى ستة معتقلين، منهم تحت التعذيب والضرب المبرح، أو أن الأمراض فتكت بهم، حيث لا تتوفّر أية عناية طبية، وإن وجدت، فهي جزء من التعذيب دون شك؛ فالطبيب الذي يأتي نادراً، لا يقل دوره عن أي جلاد أو محقق، فهو يقوم بتعذيب المعتقلين المرضى؛ وأذكر مرةً أنه قام بضرب شخص يعاني من التهاب في ساقيه بالعصا، وبشكل مؤلم جداً بدلاً من معالجته! 

 

“رسم كاريكاتير حول سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام السوري المجرم وميليشياته”

 

بقيت أسبوعين هكذا، بين التعذيب والتنكيل؛ وفي إحدى جلسات التحقيق، سألني المحقق إن كنتُ قد صورتُ مقطعاً في مدينة القامشلي يظهر فيه الجيش الحرّ، بحسب زعمه أنه وجده داخل “حاسوبي الشخصي”، فنفيتُ ذلك، وأخبرته أن الجيش الحر لم يكن أثناء وجودي هناك على الإطلاق، وهذه المقاطع عبارة عن مظاهرات سلمية للمدنيين؛ فانهال علي بالضرب والركل والشتائم، وجعل يضربني بـ”الأخضر الإبراهيمي” ( الأنبوب)، ما ترك لدي ندوب واضحة حتى الآن على وجهي. 

بعد شهرين وعشرة أيام من الاعتقال والاستجواب، صاح بي المحقق باسمي قائلاً:” نحن آسفون يا شيار، إننا نحاول أن نحمي البلد!”.

 

  • البلد! نعم، هذا الذي أحرقوه باسم الأسد وعائلته، وقاموا بجلب الغزاة إليه والاحتلالات والميليشيات الطائفية كي يبقى الدكتاتور جاثماً على صدور السوريين، كالأخطبوط القاتل الذي يمدّ أذرعه في كل بيت سوري!

“صورة كاركاتير للمجرم بشار الأسد يجلس على أنقاض سوريا”

 

بعدها أبقوني شهراً كاملاً، وعقب ذلك، تم تحويلي إلى محكمة عسكرية، ومن ثم إلى سجن عدرا المركزي. بقيت شهرين، واقتادوني إلى قاض في (محكمة الإرهاب) سألني حول عملي مع الأخضر الإبراهيمي، فنكرتُ ذلك، وكل شيء موجّه إليّ، فأعادوني إلى “عدرا” لأبقى هناك في السجن لمدة سبعة أشهر.. وفي تلك الأثناء كان الأمن قد داهم بيت صديقتي، وتمكنوا من الحصول على قرص صلب داخله مقاطع فيديو ومعلومات حول أنشطتي في المناطق المحررة، فساقوني إلى فرع الأمن الجنائي وبدأ التعذيب من جديد لمدة شهرين. 

 

طلبوا مني تسجيل مصوّر على شاشة التلفزيون السوري، أعترف عبره أنني (إرهابي)، وكل هذه المظاهرات ممولة من الخارج، وكنت أنا أرفض هذا الطلب، إلى أن جلبوا فتاة أعرفها وقاموا بالتحرش بها جنسياً أمامي، وهددوني إن لم ألبِ طلبهم بالظهور على شاشة التلفزيون الرسمي، سوف يقومون باغتصابها، وهذا ما جعلني أوافق مرغماً كي لا تتعرض تلك الفتاة المسكينة لأي أذى نفسي أو جسدي. 

وبعد أربعة أشهر بين التحقيق في فرع الأمن الجنائي وإعادتي إلى سجن عدرا، تم الإفراج عني بتاريخ 28 مايو / أيار 2015 في (محكمة الإرهاب) حيث تم تعيين اثنين من المحامين البارزين للدفاع عني، وقد أسقطت كل التهم المنسوبة إليّ، وكان للأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي يدٌ في ذلك من خلال مطالبته بالإفراج عني. 

 

“صورة تعبيرية حول المعتقلات السوريات في سجون النظام السوري”

 

لاحقاً، تحدثنا أنا والصحفية التي كانت هي الهدف الأول للمداهمة، عن تجربة الاعتقال، فسألتها أنني لمحتُ نساء يرقصنَ في الفرع أثناء ذهابي إلى غرفة التحقيق.. فقالت إن هناك في فرع فلسطين حوالي 250 سيدة وفتاة، وأثناء الليل، بعد أن يسكر الحراس، يقومون بجلب فتاتين أو ثلاث كي يرقصنَ مرغمات للترفيه عنهم، وفي بعض الأحايين تكون هناك حالات اغتصاب!

 

  • غادرتُ وطني مجبراً إلى تركيا، ومن ثم إلى فرنسا؛ هذا الوطن الذي يرقصُ (حماته الجنود) على جثث أبنائه، كي ينتشي الدكتاتور الموتور، ويبقى الوطن بين أنياب ومخالب الضباع والذئاب، قتيلاً، لا نجاة له، إلا بتحقيق العدالة وتقديم جميع مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان في سورية إلى المحاكم، كي يناولوا عقابهم، وعلى رأسهم المجرم “بشار الأسد”. 

 

مواد شبيهة